تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهكذا امتزجت علوم الدين بالمشاغبات والمماحكات. لو بعث الشارع وأصحابه لرأوا الاختلاف بين ما ورد وما صار إليه، مستحكما بعيد الأطراف يصعب الجمع بينهما كما يصعب الجمع بين النقيضين. وماذا أصف من تسريب الجهل إلى العبث بالعقول في تلك القرون. وإنك لترى أثرا من آثاره لهذا العهد عن بعض من فطموا أنفسهم من النظر في المعقولات منا، فترى كلمات التضليل والتكفير والتبديع والتفسيق أسرع إلى أفواههم من الماء إلى الحدور، وتشهد الغر الغمر يتحكم بالجنة فيعطيها لمن يشاء، ويخرج منها من يشاء. فوا رحمتاه على أناس أضاعوا فضل عقولهم في الجدل، ولكم كان الخير يأتي من جهتها لو اشتغلت بالمفيد، ونبذت الأهواء ظهريا، ولكن إذا أراد الله بقوم سوءا رزقهم الجدل ومنعهم العمل.

قلت - فيما سلف: إن علوم الدنيا دخلت في الملة لما رأت من يعضدها من رجال السياسة، وكان ذلك في القرن الأول، بيد أنها لم تنتشر الانتشار المطلوب إلا في القرن الثاني والثالث. شاعت قرنين ثم أخذت تضعف إلى أواخر القرن السابع أيام قل المشتغلون، ولو على طريقة نظرية بعلوم العقل التي لا قائمة لأمة بدونها مهما أخلصت في دينها. وإذا استفتيت تواريخهم تجد المتلبسين بشعار العلماء لا يعدون في جملتهم ذاك الرياضي والجغرافي، وربما فضلوا عليهما المعمار والثرثار. من أجل هذا نرى المدارس، على تفنن القوم في إنشائها بعد القرون الوسطى، منازل خاصة بالفقيه والمحدث والقارئ، والرباطات للمجذمين المعدمين والكسالى. ولم نجد مدرسة - اللهم إلا بعض مدارس الطب والهندسة - موقوفة على الرياضيين والطبيعيين والفلكيين والمؤرخين؛ كأن علومهم هذه أباطيل لا تصح الإعانة عليها، وحسب الرياضي أن يغضي الفقيه عنه ما دامت الحالة بين هبوط وصعود، والأجود بها أن تدعى سقوطا إلى منتصف القرن الماضي أيام أخذ السلطان عبد المجيد في البلاد العثمانية، ومحمد علي في هذا القطر، يسهلان السبل لهذه العلوم، ويعدان أهلها في مصاف العلماء، وأنشئت المدارس لتعليمها، وغدا المشتغلون بالعلوم الدنيوية حزبا، والمتوفرون على تعليم العلوم الدينية حزبا آخر؛ على أنه لم تحمد عودة تلك العلوم الدنيوية التي سماها بعضهم عصرية، وبعضهم دعاها حديثة؛ لما نتج عنها من حركة كانت أشبه برد فعل ما، ظلت الأمة معها صائما أخذ منه الجوع فلم يجد ما يطعمه، حتى ساقته الأقدار إلى مائدة موسر، وقد حوت ما طاب، وحلا من صنوف الأطعمة والحلواء، فأخذ يلتهم ما وصلت يده إليه بدون ترو؛ يزدرده بلا مضغ، ويمزج بارده بحاره، وحلوه بحامضه، ويؤخر ما يقتضي تقديمه ويقدم ما يحسن تأخيره، ونشأت ناشئة لم تدر من العلم الحقيقي غير قشوره، شربت مصة من مورده ظنتها غاية ما يرتوي به المرتوون، وراحت تعد المروق غاية النور، والإزراء على النبوات من آيات الحكماء، والطعن في الشرائع من عمل الجهابذة النحارير، وإنكار القديم مهما كان نفعه، والتعلق بالحديث مهما ضؤل قائله، من دواعي النهوض والاستنارة؛ وعلى الجملة ينبذون كل ما ليس لهم به علم من تراث أجدادهم، حاسبين الصحيح منه والسقيم في مقام واحد، مماحكين ولو بان لهم الراجح من المرجوح.

يقول فتية اليوم: إنه لا نجاح للأمة إلا بنبذ ذاك القديم مباشرة، والأخذ بهذا الحديث على علاته. وفاتهم أن ما يسوغ في الغرب لا يتم في الشرق، وأن لكل أمة طبيعة ومنازع لا بد من مراعاتها، وأن إقامة مدينة جديدة في بادية أسهل من إصلاح مدينة قديمة لا غنية عن البناء فيها، وأن من العقل ألا ينبذ ذاك القديم، بل يرجع فيه إلى الأصل القليل، ويؤخذ النافع منه، ويترك ما عدا ذلك من تخريف المخرفين وضلالات المبتدعين، والأخذ من هذا الحديث بالعلم الصحيح الذي تمس إليه الحاجة، وإطلاق الحكم للعقل يعمل عمله في طريقه.

القديم والحديث · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

القديم والحديثص ١٣