تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دسوا عوامل إفسادهم، وفي القوم يومئذ صفوة من الأخيار، توفروا على محاربة البدع والموضوعات بكل لسان وبنان، بكل سيف وسنان، وكانوا على إخلاصهم وتأثيرهم كلما استأصلوا شأفة فاسد نبض من الأفسد نابض، ورجال السياسة وأكثرهم لا يرجع في الغالب إلى رأي ومذهب، يدهنون من وراء ذلك لحملة الدين، ويبذلون لهم ما يستغوونهم به؛ لينطقوا بألسنتهم، ولا يفسدوا عليهم أمرهم، إذا رفعوا أصواتهم ونعوا عليهم تبديلهم لما أنزل، وإلصاقهم به ما ليس منه، ولما رأى العقلاء عائث الفساد يدب دبيبه في علوم المعاد، خافوا أن يتدرج من العبث بالأعراض إلى العبث بالجواهر، فلم يروا بدا من التدوين والتقييد، والدلالة على مواضع الضعف والسخف ليبدو السليم لا شائبة فيه، وأنت خبير بما يقتضي ذلك من التطويل، دع ما يتخلله بالطبع؛ لأن في القائمين به العالم العامل، وفيهم صاحب البدعة والمقالة.

مضى على هذه الحال ردح من الزمن، وعلوم الدين لم تمتزج بشيء من علوم الدنيا، إلى أن دخلت علوم الحضارة في الملة وسموها علوم الأوائل، ورأت من بعض خلفائنا من أخذ بيدها وهيأ لها أسباب انتشارها، فعندها كثرت المذاهب والآراء، ونشأ العراك الأول بين العلوم الدينية والعلوم الدنيوية؛ أي بين الدين القائم بالتسليم، وبين الفلسفة المبنية على البرهان.

وظلت حال العلم الديني تابعة لمجرى السياسة، إن جاء عاقل من الأمراء والملوك يكل أمره لجهابذة من المحققين ينظرون فيه وهم مؤتمنون مأمونون، وإذا ولي رقاب الناس جاهل ينزل نفسه في كل المنازل، فيتولى من الخلق أمور دنياهم ودينهم، ويقرب إليه كل من يتابعه على أهوائه، ولا ينكر عليه مغالاته، والعقلاء بمعزل لا ينطقون إلا كارهين، وربما تدرعوا الخمول وآثروا الانقطاع على الدخول في المجتمع لإمحاضه النصح، وتخليصه من المفاسد الطارئة عليه.

نعم، إن التاريخ لم يخل من وجود عقلاء في كل دور من أدواره، ولكن قوتهم ضئيلة لا تنفع، وصوتهم خريد لا يسمع، إذا نسبتهم لأولئك المنافقين في خدمة الآمرين والناهين. وقد قل عددهم كثيرا في هذه الديار، خصوصا بعد الدولتين النورية والصلاحية، وصار العلم أشبه بتقاليد ورسوم منه بعلم وعمل، ومناطيق ومفاهيم، وما فتئت العادات يتخيلها بعضهم من الدين، ويدسونها فيه، وللجهل الكلمة النافذة في الهيئة الاجتماعية، إلى أن كان القرن التاسع والعاشر وما يليهما من قرون الهجرة، وهي من العصور المظلمة من تاريخ الإسلام حقيقة، فعندئذ قل المميز والمفكر، وبطلت علوم الحكمة جملة واحدة، وصار من يتعاطاها في نفسه وبين خاصته كمن يأتي أمرا إدا، ويخون دينه وأمته، وبطل النظر في الأصول، وتحتم على كل عقل ألا ينظر في غير الفروع مما أملته خواطر المتأخرين، فأصبح بذلك يعد العالم كل العالم من يحقق من هذه الفروع أكثر. اعتبر ذلك بما تتلوه في تراجم أعيان العلماء في هذه القرون، فإنك لا تراها تتعدى الأقوال والآراء. وأهل كل جيل يقدسون قول من سلفهم ولو ببضع سنين. نعم إنك لو أنصفت لا تكاد ترى لهم تأليفا تقرأ فيه نور العقل والخلاص من التقليد البحت. ولقد أتت أيام في معظم الأصقاع الإسلامية حرم النظر فيها حتى في الكتاب والسنة، وعد الناظر فيهما محاولا للخروج عن سنن الجماعة. فإذا خالف فرد ما ألفوه أهانوه، ومن قاوم بفكره سجنوه أو نفوه وشردوه، وإذا خافوا بأسه قتلوه، وجعلوه عبرة ومثلا للآخرين.

تأصلت الأوهام فعدت من أقدس القربات، وسار الناس مع تيار الجهل وتقديس أقوال أدعياء العلم والتقوى، وصدرت الأحكام بعوامل الأوهام، وغدت هذه البلاد كبرج بابل في التبلبل والتشويش؛ اتخذت كل منهما لها أئمة وأولياء، وأنشأت تكبر أمرهم وتدعي لهم مقاما ادعوه لأنفسهم؛ وراح الفقيه يكفر الصوفي، والصوفي ينقم على تقديسهم، والطعن فيمن عداهم ممن لم يصوروا لهم بالصورة المناسبة لما وقر في نفوسهم وركز في طبائعهم، وعشش في مخيلاتهم.

القديم والحديث · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

القديم والحديثص ١٢