ولقد أورد ابن بسام في الذخيرة في ترجمة الأديب أبي جعفر أحمد الدودين البلنسي رسالة ابن غرسية، يخاطب بها أبا جعفر بن الجزار في فضل الشعوبية وذم العرب، ابتدأها بقوله:
يا ابن الأعارب ما علينا باس
لم نحك إلا ما حكاه الناس
وقال:
ولم أشتم لكم حسبا ولكن
حدوت بحيث يستمع الحداء
وقال فيها في وصف العجم:
هم ملكوا شرق البلاد وغربها
وهم منحوكم بعد ذلك سؤددا
حلم وعلم، ذوو الآراء الفلسفية الأرضية والعلوم المنطقية الرياضية، حملة الإسترلوميقا والجومطريقا، والعلمة بالإرتماطيقا والأنولوطيقا والقومة بالموسيقى والطوبيقا، والنهضة بعلوم الشرائع، والطبائع والنفرة في علوم الأديان والأبدان ما شئت من تحقيق وترقيق، حبسوا أنفسهم على العلوم الدينية والبدنية لا على وصف الناقة العدنية، فعلهم ليس بالسفاف كفعل نائلة وإساف، أصغر بشأنكم إذ بزق خمر باع الكعبة أبو غسانكم، وإذ أبو رغالكم قاد فيل الحبشة إلى حرم الله لاستئصالكم.
والرسالة كلها على هذا النسق، استغرقت مع الردود عليها سبع عشرة ورقة من الذخيرة، وقد رد عليها كثيرون من أدباء الأندلس في عصر كاتبها، ومن جملتهم المخاطب بها أبو جعفر، وردودهم كلها إلى السفاهة والبذاءة أقرب، وكتابة ابن غرسية أمتن وحججه أوضح.
وقال الجاحظ في رسالته إلى أبي الوليد محمد بن أحمد بن أبي دؤاد في النابتة: وقد انتظموا - إلى ولاة الأمر في عهده - معاني العناد أجمع، وبلغوا غاية البدع، ثم قرنوا بذلك العصبية التي هلك بها عالم بعد عالم، والحمية التي لا تبقي دينا إلا أفسدته، ولا دنيا إلا أهلكته، وهو ما صارت إليه العجم من مذهب الشعوبية، وما قد صار إليه الموالي من الفخر على العجم والعرب، وقد نجمت من الموالي ناجمة، ونبتت منهم نابتة، تزعم أن المولى بولائه قد صار عربيا لقول النبي
صلى الله عليه وسلم : «مولى القوم منهم»، ولقوله: «الولاء لحمة كلحمة النسب، لا يباع ولا يوهب»؛ فقد علمنا أن العجم حين كان فيهم الملك والنبوة كانوا أشرف من العرب، وأن الله لما حول ذلك إلى العرب صارت العرب أشرف منهم، قالوا: فنحن معاشر الموالي بتقديمنا في العجم أشرف من العرب، وبالحديث الذي صار لنا في العرب أشرف من العجم، وللعرب القديم دون الحديث، ولنا خصلتان جميعا وافرتان فينا، وصاحب الخصلتين أفضل من صاحب الخصلة، وقد جعل الله المولى، بعد أن كان أعجميا، عربيا بولائه، كما جعل حليف قريش من العرب قرشيا بحلفه، وبعد أن جعل إسماعيل أعجميا عربيا، ولولا قول النبي
صلى الله عليه وسلم
إن إسماعيل كان عربيا ما كان عندنا إلا أعجميا؛ لأن الأعجم لا يصير عربيا، كما أن العربي لا يصير أعجميا، فإنه علمنا أن إسماعيل صيره الله عربيا بعد أن كان أعجميا بقول النبي
صلى الله عليه وسلم
فكذلك حكم قوله: «مولى القوم منهم»، وقوله: «الولاء لحمة»، إلى أن قال: وليس أدعى إلى الفساد ولا أجلب للشر من المفاخرة، وليس على ظهرها إلا فخور إلا قليل، وأي شيء أغيظ من أن يكون عبدك يزعم أنه أشرف منك، وهو مقر أنه صار شريفا بعتقك إياه.
| العلم الصحيح1
قالوا: العلم علمان؛ علم الأبدان وعلم الأديان، أو دنيوي وديني، فالدنيوي علم ما فيه صلاح المعاش، وحفظ النظام في عالم الكون والفساد، والديني كل ما له مساس بالمعاد، وتهذيب النفس، والابتعاد عن المنكرات في هذه الفانية؛ للظفر بالباقيات الصالحات في تلك الدار الباقية.
كان العلم الديني لأول أمره، موجزا مندمجا، لم ينقد، قواعد مقررة، وأصولا نافعة، فكان العربي يقصد الرسول - عليه السلام - يعلمه الدين في ساعة، ثم يحيله على القرآن، ويقول له اذهب راشدا وبشر عشيرتك وأهلك، فقد عرفت من الدين جوهره وسره، وما ينبغي له؛ فمن ثم دام الإسلام إلى السذاجة حتى قامت قائمة العصبيات من أجل التنازع على الملك، وتجاذب حبل السلطة، فمزج الدين بالسياسة، ودخل في الإسلام من لا يهمه منه غير المغانم، وراح بعضهم يدسون ما لم يقل فيما قيل، وكثر المنافقون ممن سعوا بالدين في سرهم، وهم من أتباعه في جهرهم، وأنشئوا يلبسون ثياب الأصدقاء وهم له أعداء ماكرون.