تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم توسع الكاتب في بيان نقص تربية أبناء وطنه وعاد يقول:

يلزمنا رجال مهذبون لا رجال متعلمون، وفي فرنسا طبقتان من المدارس، أولاهما للصغار وثانيتهما للكبار، وبعبارة أجلى مدارس الصناع ومدارس المفكرين، أما حسن التربية الإنكليزية السكسونية ورجحانها على التربية الفرنساوية، فهي قائمة فيما أوتيه بعضهم من الصفات الشخصية مثل المروءة وحسن الخلق والحصافة والبداهة والجرأة والإقدام على المشروعات والاكتشاف والافتتاح والمخاطر، فبدلا من أن تنمي فرنسا في نفوس أبنائها هذه الصفات تغرس فيهم ملكات حب التآلف والاجتماع، تبث فيهم التأثر بدل المروءة، وتبث فيهم الخشية من أقوال الناس، فيشاكل المرء الجمهور بأقواله وأفعاله بدل تنشئتهم على خلق يبقى فيه الإنسان مستقلا بنفسه، وبدل الحصافة التي يتأتى بها للمرء إيجاد الأشياء بذاته تقوى فيه ملكة الذاكرة التي تعيد عليه ذكر الأشياء التي يحفظها مما عثر عليها غيره بالتجارب، وعوضا عن البداهة التي يتمكن بها المرء من تطبيق ما أوجده بنفسه تبث فيه الثقة، فيصبح عرضة لأغراض حكامه، وبدل الجرأة تبث فيه الحذر، وبدل الإقدام على المشروعات والفتوح والاستنفاض (فتح البلاد) تبث فيه ملكة الاقتصاد والسلم وحب السكن، وبدلا من اقتحام المخاطر تحسن له الرضى بالاستخدام.

ثم أجمل الكلام هنا على الفلاحين والصناع والتجار والعملة من مجموع الأمة الفرنساوية، وانتقل إلى الخيار من قومه، وعنى بهم العلماء والفلاسفة وأهل البصر، فقال مستندا إلى أقوال العلماء:

إن دماغ الجنس السكسوني متمدد ومحدود، وذكاءه تحليلي وجنسه جنس العمل والكد، وعلى عكسه دماغ الجنس الفرنساوي؛ فإنه موسع وذكاؤه تأليفي، وهو خيالي يعشق التصورات، وبالجملة يعنى الجنس الأول أبدا بالحقائق على حين يفضل الثاني الأفكار والخواطر، يجيد السكسوني في الغالب القيام على الأعمال المادية، وبعض الفرنسيس يحرزون قصب السبق في ميادين الذكاء المتسعة الأطراف .

ألا وإن قيمة الجنس السكسوني بمجموعه، وقيمة الجنس الفرنساوي بخياره، فالإفرنسي المتوسط لا يساوي الإنكليزي المتوسط، والإفرنسي العالي يساوي أكثر من إنكليزي عال، ولكن الخيار من الفرنسيس لا يشغلون المكانة التي يستحقونها؛ لأنهم مغلوبون للأخلاق الحالية، لم يستوفوا شروط النفع ولا أتموا أدوات التهذيب.

وأنجح طريقة يجب على فرنسا سلوكها تحسين تربية خيارها وتربية أفرادها، ومزج الخاصتين السكسونية والإفرنسية وتطبيق تربية جمهور الإنكليز على تربية خيار الفرنسيس ليأتي الغد ولفرنسا من وراء هذه التربية شعب صغير كالشعب الأثيني يهب لها فاتحين ذوي أفهام، ورجالا صحاح الأحلام، يساوون الجيوش، ويوازون كل عدد وعدة، ويخدمون أمتهم خدمة أرخميدس

6

وينقذون وطنهم إنقاذ تيمستوكلس.

7 (2) اتكالنا

بمثل هذا اللسان يخاطب الكاتب الفرنساوي أمته، ويقرعها تقريعا أمر من الصاب والعلقم؛ لتستفيق من غشية تخشى مغبتها، وتفلت من الوقوع في مخالب أسود السكسون؛ لئلا يكون حظها في الوجود حظ الأمم البائدة كالرومان واليونان والفرس والعرب، وما القصد من إيراد كلامه بنصه إلا ليحصل التمثيل بيننا وبين أمة نشابهها في الأعراض، وإن كانت أعلى منا جوهرا.

ولعله يخيل لبعض سكان هذه الديار أن الفرنسيس مثلهم في الانحطاط، وأن لهم بهم قدوة حسنة وأعظم سلوى، ولكن شتان بين حالنا وحالهم، ورجالنا ورجالهم، وحضارتنا وحضارتهم، أمة تشخص الداء، وتفكر في وصف الدواء، أو تشعر بنقصها وتسعى إلى كمالها، وأمة موقنة بأن داءها عين الصحة لا بأس عليها ولا خشية من ناحية حياتها، يرضيها نقصها فلا تريد استبدال غيره به، وكل من محضها النصح رمته بانحلال عقدة الوطنية والمروق من عهود الحمية وصدق التابعية.

القديم والحديث · الصفحة ١١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

القديم والحديثص ١١٩