تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا جرم أن الحركة التي بدأت طلائعها في فرنسا زمن فيليب الجميل أزعج أمرها على عهد لويس الرابع عشر، فزاد الحال إشكالا على أثر عودة الملكية إلى فرنسا، واستيلاء أسرة بوربون على منصة الحكم، وصار على عهد الجمهورية الثالثة الحالية أدهى وأمر، فإذا نشأ الأبناء على آسال آبائهم ولم يصلح حالهم يضيعون مجد أسلافهم، ويخربون مملكة قويت على الحوادث، على حين تعدهم عدتها في شدتها، وبيدهم إنقاذها وإسقاطها.

فالجيل الفرنساوي الحاضر سيء حاله ومآله، وهو إلى الكسل والجبن أميل منه إلى العمل والنصب، حتى يصح أن يقال: إن البلاد به أضاعت من فتائها، وأمست تسير إلى فلاة فنائها، ومن الأسف أن فرنسا التي كانت على مر العصور في مقدمة من يحسن الأعمال، وأول مثيرة لكل نجاح هي اليوم من حيث تهذيب أبنائها متقهقرة عدة قرون إلى الوراء، وكأن تعاليمها الآن هي عينها في القرون المتوسطة التي تركت ألمانيا وشأنها، إلى أن علا صوت جهوري من الشاعر كيتي

2

يبين للألمان مواقع الضعف، ومزالق المقاتل، ومداحض المخاطر، ويقود الأفكار إلى الحملة على كسر القيود، ونزع ربق الرق، وتجديد جدة الشباب، ينادي يا قوم هؤلاء الإنكليز أمعنوا في حالهم، وانسجوا على منوالهم، فإنكم وإياهم سواء في القيم، فما ضركم لو باريتموهم في الهمم؟ عملكم قليل ولا تحسنونه، وقلما تنهضون بأعبائه، وليس لكم نصيب مما أوتوا من مميز الواجب الشخصي والكفاءة الشخصية، وهما دعامتا القوى التي تشتد بها سواعد الملل. ولما كان كيتي يصرح بهذه الأفكار كانت ألمانيا بعيدة عن معاناة التجارة مقطورة في مؤخر الشعوب، ولم تمض على ذلك مائة سنة حتى استولى أنصار ذلك الشاعر الكبير والمتعظون بأقواله على محور التجارة، فهاج نشاطهم قلق الأمة التي حذوا حذوها، وإن الإنكليز لينظرون اليوم نظر المرتجف إلى انبساط ظل النفوذ الألماني بهذه السرعة والقوة، ويزعمون أنه لا بد من أن تخلف طوابع البرد الجرمانية الطوابع الإنكليزية قريبا.

كل هذا نتيجة تغير التربية وانتشار المعارف بين الأفراد وكثرة الكفاءات في كل فروع العمل، فمن العقل والحالة هذه أن يتدرع الفرنسيس بسلاح من العمل مفيد، ويعتاضوا من الركوب على متن عمياء بالجري في طريق جديد من إتقان المبادئ الصحيحة والأخلاق الفاضلة.

من رقاعة الفرنسيس أن يعتقدوا علو كعبهم في كل منحى ومنزع، ولو ذهب أحدهم إلى ألمانيا ودرس أحوالها عن أمم، لرأى شعبا كان يشكو مما نشكو منه، داء أصيب به زمنا فشفى نفسه من أوصابه، يرى السكسونية مجسمة بأبهى مظاهرها فيقدس «كارلايل»

3

ظهيرها ونصيرها، ويقيس حاله بالإنكليز على أنهم سباق غايات وأصحاب آيات بينات، ثم إذا قضى من تينك المملكتين لبانته، وعرف بالنسبة إليهما حالته، يركب البحر المحيط الأتلانتيكي ليتبصر فيما تورثه جدد الفضائل في هذا القرن الحديث، وينجلي له الفرق بين رغائبه ورغائب الأميركان.

لفرنسا نظارة للمعارف العمومية، ولأمريكا مدرسة للتربية، فالأولى تعلم والثانية تربي، الأولى تلقن أبناءها كلمات يحفظونها، والثانية تعلم مبادئ يسيرون عليها، تعد فرنسا أدمغة لحفظ قانون، وتهيئ أميركا أذرعا للعمل، الأميركان رجال عمل، والفرنسيس ليسوا كذلك، يغرس الأميركان في نفوس ناشئتهم شهامة الإرادة التي لا تجدي أجمل الهبات الخلقية بدونها، ولا يكون العلم نفسه إلا عطلا من النفع مع فقدها، وهذا هو القانون الذي سنه لهم فيلسوفهم إميرسون

4

تلميذ هيكل الألماني

5

القائل في فلسفته: إن الحياة ليست شغلا عقليا ولا مناقشة ومهاوشة، بل الحياة إنما هي العمل. ولقد علق في أعلى باب كل مدرسة بأميركا شعار معناه: إن تهذيب الخلق أسمى غاية للمدرسة، وعلى الشبان أن يحسنوا معرفة الحياة بإرادة ثابتة.»

القديم والحديث · الصفحة ١١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

القديم والحديثص ١١٨