لا جرم أن الرجل الفرنساوي الراغب في الاستخدام لا يشبه الرجل المصري أو السوري أو العراقي مثلا، فإن الأول يستعد ليحسن الاضطلاع بما يوسد إليه من أمر أمته، ومعظم هؤلاء على نقص في المدارك وانحطاط في الفضيلة، يطمحون إلى السعادة والسيادة بلا سابق معرفة سوى أواصر القربى أو التقرب أو أواخي المؤاخاة والتزلف أو وشائج الدرهم والدينار.
ولقد أصبح من الرأي المقرر بين الناس أن كل من ليس له علاقة بالحكام كعضو أصيب بالآكلة لا حيلة فيه إلا بالبتر أو الموت، بيد أنه لا تثريب على الفقير إذا رشح ابنه لأي خدمة كانت ليرتفع بها من الدنية، ما دامت البلاد صفرا من أصناف المعاش الذي يزعج صاحبه عن العيش الاتكالي ويورده موارد الاستقلال، بل اللوم كل اللوم على رجل يعد من نواصي أهل وطنه وعليتهم وله من العقار والقرى ما يسد عوزه وعوز مئات معه، وهو على ما له من الاعتبار بين جيله وقبيله يسف إلى الاستخدام في وظيفة؛ ليتباهى بها أمام العدو والصديق.
أعرف رجلا في إحدى مدن الشام الحافلة له عراقة في محتده، وأصالة بين قومه وسعة من دنياه، وتراه مع هذا يصرف من نهاره وليله في نيل الزلفى من الأمراء كبتا لخصومه، فيبذل كل عام في هذا السبيل من الصفراء والبيضاء ما يكفي لإعالة ألف نسمة من أصحاب البأساء، وكلما طعن في السن يزداد غلوا في مباديه وإصرارا على نكاية أعاديه، وهو دائما أجول من قطرب وأشغل من ذات النحيين، ومساعيه أبدا مخفقة، وآماله مخيبة، وهكذا حال خصمه اللدود له مال وبنون ومقام بين أهل حيه كريم، ولكن لا يهدأ له بال إلا بالجلوس على أرائك الحكم، ومقاعد التصدر، يتلمس لبنيه إذنا بملازمة الدواوين، مزاحمة لأولاد الفقراء ليستأثروا بعد بالرواتب دونهم، وينالوا المعالي بنفوذ والدهم عفوا صفوا.
ولو عقلا لاستعاضا عن التلهي بهذه السفاسف بإدارة شئون مزارعهما الواسعة، وتحسين طرقها وتنمية غلاتها وثمراتها، ولكن هو حب الرئاسة يستلب الألباب وفي الأمثال: «يا حبذا الإمارة ولو على الحجارة.»
ولطالما سمعنا أن فلانا غادر سكنه ومسكنه، تاركا دخلا يكفيه وعياله لأن يعيش عيش الاستقلال، فيوكل به من يسرق نصفه لينتظم في سلك الموظفين، ويأخذ من استخدامه ما يوازي النصف الذي فقده بغيابه ويغتذي من دماء الأمة سحتا بحتا وحراما محضا ليقال عنه: إنه من الموظفين، ويخاطب بالفضيلة والسعادة، ثم إذا كثر سواد أقرانه يقضي حياته قلق الضمير، وربما أنفق كل ما يملكه من تراث آبائه؛ ليرتقي إلى وظيفة أعلى من وظيفته، ويسبق من سبقوه أو هم لاحقوه، وما الموظفون في الحكومات الاستبدادية براغبين أن يعدوا من ممثليها ليحموا ما يملكونه من اعتداء المعتدي، وتعسف الظالم كما هي دعواهم، بل ليكونوا جلادين في تلك الدولة، ويسوغ لهم إتيان كل منكر أرادوه بلا وازع ولا رادع.
ألا وإن الأمثال لكثيرة على من آثروا العيش الاتكالي، ورضوا بالإسفاف إلى الدنايا كأصحاب الأوقاف ممن يرضون بالكفاف من العيش، ويقنعون بدريهمات تأتيهم من وراء أجدادهم، أضف إلى زمرتهم من حبسوا أنفسهم في الصوامع والجوامع مثل المدرس والمؤذن والخطيب ممن يكتفون بالنزر من المشاهرات، يقبضونها ببذل ماء المحيا، ويصرفون لأجلها من الأوقات ما لو صرفوه في بيع الثرى لأثروا به، ثم يرقبون ما يأتيهم من أجور الطلاق والمناكحات، ويتلمظون بطعام الولائم والوضائم، ويقنعون بتقبيل الأيدي ومصافحة المريدين، وكذلك حال الرهبان والقسيسين وسائر من يتصرف باسم الدين، وهم فائضون عن الحاجة، فكلهم يتقربون بالفاقة إلى مولاهم، ويستوكفون أكف الصدقات، وينتظرون قيم الصلوات والدعوات، وهذا الخلق مستحكم من المسلمين بحكم التربية أكثر منه بغيرهم من الطوائف.