هكذا يقولون، وغير منكر أن الفرنسيس نفعوا الإنسانية نفعا لا تنكره، وكفاهم مفاداتهم بأبنائهم مرارا تخفيفا من سلطة الملوك ورفعا لغشاوة جهالة ظلت مسدولة على أوروبا قرونا، جعلتها وراء شعوب الأرض، فخلعت ربقة الاستعباد، وقررت حقوق الإنسان وقواعد الحرية والإخاء والمساواة، ونشرت المعارف في الأطراف حتى ابتذلت، واشترك في الأخذ من بحرها المحيط عامة الطبقات، فأصبح الحراث الفرنساوي يقرأ ويكتب، ويفهم أكثر من بعض من ندعوهم بالمنورين في بلادنا، وما يأخذه الآن بعض علماء الفرنسيس على أمتهم إن هو إلا من باب الاستزادة من الفضيلة، والدعوة إلى الكمال والسبق في ميدان التغلب والسيادة، نعم، إنه ليستنشق من غال المكتوب رائحة الغرض، ويعترض على بعضهم مبالغتهم في وصف أعراض الضعف، حتى أوشكت الفائدة أن تضيع، وينسب كل ما يخطونه إلى التشيع والتحزب، ويؤيد ذلك أن ما يكتب صادر من بلاد تأصل فيها الانشقاق الداخلي، وراجت بضاعة الأحزاب، وساد فيها تباين الآراء، فلا يكتب الملكي أو الكهنوتي إلا ويرمي ببصره إلى القديم يمجده، والتليد يبكيه وينشده، ولا يجهر الجمهوري إلا ويفاخر بما تم على يديه من ارتقاء ونماء، ولا ينبري الفوضوي أو العدمي أو الاشتراكي إلا ويستدعي الأمثلة، ويستجيش البراهين إعلانا بدعوته واستتماما لرغبته، ولكن فرنسا ما زالت بفضل أساسها القديم أم المدنية وربيبة الحضارة، وإن تقهقرت في سياستها وأخلاقها، فلمرتبتها الميزة على سائر الشعوب الأوروبية خلا السكسونيين، ولكن صحة الوطنية التي عرف بها مساعير أبطالها ومشاهير رجالها جعلتهم اليوم يفرطون في النصح والقدح. (1) استقلالهم
وبعد، فإن الأمم من حيث كيانها قسمان: استقلالية واتكالية، فالأمة الاستقلالية هي التي طبعت على حب الانفراد، يعتمد كل فرد منها على نفسه لا على حكومة ولا جمعية ولا حزب ولا عشيرة ولا أسرة:
وإنما رجل الدنيا وواحدها
من لا يعول في الدنيا على رجل
ومثالها الشعوب الإنكليزية السكسونية، والأمم الاتكالية هي التي يعتمد أفرادها على مجموعها من الأمة أو الدولة، فيتوكأ كل فرد على غيره، وأعظم مثال لها الأمم الشرقية حاشا سيدتها الأمة اليابانية العظيمة، فإن التربية الاستقلالية عندها على ما يبلغنا قائمة على أعظم هياكلها، وأبناؤها أبعد المشارقة عن النشأة الاتكالية.
وبديهي أن العلم وحده لا يكفي في سعادة الشعوب ما لم يقرن بالعمل، وفرنسا وقعت مع من وقع في مثل ذلك من أمم الخليقة، فزاد فيها التكالب على المصالح الهينة والوظائف اللينة، فكثر فيها الموظفون والمحامون والأطباء والمهندسون وأهل الصحافة والأدب، بحيث تعذر قبول من تخرجهم المدارس العالية باسمها، فسدت في وجوه الناشئة أبواب الرزق؛ لأن معظمهم يرى السعادة أن يعيش في باريس ونحوها من المدن الحافلة؛ ليستمتع برفاهها وأنسها ولو عاش في قل، وزهدوا في الاشتغال بالصنائع الحرة كالفلاحة والصناعة والتجارة، وذلك غير معهود عند من كان دمه سكسونيا؛ إذ لا يرى حطة عليه أن يحترف أيه حرفة مهما كان علمه واستعداده؛ ليضمن لنفسه وذويه مرتزقا فسيحا وعيشا استقلاليا لبابا، فإن لم يجد ما يعمل في بلاده يغادرها؛ ليستعمر مكانا آخر من الكرة، ويستوي عنده العيش بلندن أو برلين، والعيش في زيلندة الجديدة أو مستعمرة الرأس أو زنجبار، وإن شئت فقل في أقاصي صحاري أفريقيا حيث الوحوش ضارية، والسموم لافج، والعيش مر المذاق.
وتأييدا لذلك أنقل هنا ما صرح به أحد علماء الأخلاق من الفرنسيس بهذا الشأن قال: «يزعمون أن شهادة العالمية عندنا باب يدخل منه إلى كل سبيل، وتسلك بحاملها في كل مسلك، وهي على التحقيق لا تفتح إلا ثقبا كبيرا، هجم عليه أصحاب الرغبات من كل صوب، فاستغرقت الحرف الشريفة ووظائف الحكومة جملة، بحيث وجب على الأمة ألا تساعد على شر ما برح يتفاقم أمره منذ سبعة قرون، حتى صار جرحا نغارا، وضربة مبرحة، وأعني بذاك الشر داء الاستخدام والتوظف.