تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولقد طربت من موسيقى أهل الغرب الأقصى وأهل الجزائر وأهل فارس طربي من الموسيقى الشامية، ودون طرب كل عربي بالموسيقى المصرية؛ لأنها أرقاها، وقد بلغت بالنسبة إلى سائر البلاد مرتقاها، تأثرت مرة لنغمة فارسي كان ينشدني قصيدة من نظمه في الحرية، وتأثرت مرة من فتاة صربية في قطار كانت ترنم بنغمتها الوطنية، وأنا لم أفهم معاني الفارسي ولا الصربية، ولكن ما ذهبت إليه النفس من التذكارات فعل فيها فعله فأخرجها عن كثافتها، وسمعت مؤخرا مغنية إسبانية في مسرح الأولمبيا في باريز تتغنى بالإسبانيولية، وتبيع بنفسجا ترشقه على الحضور، فكان منظرها وحركتها ونغمتها من أجمل ما رأته العين في الغرب، وطربت به حقيقة، وما ذلك إلا للأثر الناتج عن تأثيرات الموسيقى، وما يتذكر الإنسان من الوقائع والحوادث.

كان لنا في بر الشام موسيقى راقية، فكادت تندثر لزهد الناس في هذا الفن؛ لأنه دليل ارتقاء الأمة، والأمة كانت مشتغلة بنفسها ترجع القهقرى، وكان المشتغلون بهذا الفن مرذولين ممتهنين، فبينا نجد الموسيقار والمنشد في الأمم الأخرى عشير الملوك والرؤساء والعلماء منعما مرفها، إذا مات مشى في جنازته العظماء - كما فعل الفرنسيس بجنازتي سان ساينس وفوريه الموسيقيين، وعدوهما من المفضلين على أمتهم، ومجدوهما وقدسوهما، ترى مثيلهما في أرضنا مهانا لا يؤبه له، إن أخذ بفنه عاش فقيرا ومات خاملا حقيرا، وكم من نابغة في الموسيقى عندنا تخلى عن هباته خشية أن يلحق به العار، وزهد نفسه طوعا أو كرها بما يحبه، وكان في مستطاعه أن يبرز فيه لعلمه بضيق العيش من هذا الباب؛ ولأن صاحبه لا يعد في الطبقة التي هو حري أن يعد فيها.

جاء دور كان الفقهاء يعدون ساقطا من العدالة كل من يغني عندنا، ولا سيما إذا كان غنى بالأجرة،

1

ويتسامحون مع من يغني مع جماعة من أصحابه، وكانوا يعدونه فنا يفقر صاحبه، ولكن الغرب على العكس من ذلك، يفاخر بهذا الفن أعظم عظيم، ولا يستنكف أن يأخذ نفسه بأدبه، ويرزق عشرات الألوف منه، فإذا مات مات عن ثروة طائلة، وخلف لأهله مجدا وغنى.

ولو لم نر من نهضة الموسيقى آخرا وتشريف قدرها في مصر اليوم لسجلنا بأن هذه الأمة العربية جمعاء منحطة، وأي انحطاط عن أمم الحضارة الحاضرة، ولقلنا: إنها أمة مات شعورها في كل معنى، وهي والأمم المتوحشة سواء في أوضاعها وعاداتها وأسباب هنائها وراحتها.

| الاستقلال والاتكال1

يطالع المستفيد مئات من كتب الفلسفة والأدب وعلوم العمران، فلا يعتم أن يستقل منها ما يأخذ مأخذه من العقول، ويحدث أثرا في النفوس، ولا عجب، فقد تنصرف وجهة الألوف إلى خدمة العلم وبث الملكات الصحيحة، فإذا فوضل بينهم ووضعت أعمالهم في ميزان النصفة وعلى محك الاستبصار يكثر الشائل ويقل الراجح، والمؤثرون في الأفكار في كل الأعصار والأمصار أندر من الغراب الأعصم والكبريت الأحمر، على أن كل من بذر بذورا طيبة لا ينفك مثلوجا فؤاده مهما تأخر نباتها وإيتاؤها، لعلمه بأنها ستؤتي أكلها عاجلا أو آجلا إذ لاءمتها طبيعة المنبت، وأحسنت تعهدها أيدي القائمين عليها.

وقد وقع شيء من هذا - إن صح حدسي - للكتاب الذي ألفه المسيو أدمون ديمولان الفرنساوي، وعربه أحمد فتحي بك زغلول المصري المسمى «سر تقدم الإنكليز السكسونيين»، فإنه أثر في الفرنسيس أثرا حسنا، وسرى قول مؤلفه في بلاد الإفرنج منذ نحو خمس سنين، فترجم إلى لغاتهم، وتناولته ألسن الناقدين والمسلمين، وعاد بعض المنشئين يرون رأي صاحبه، وينطقون بلسانه، ويكتبون بقلمه، ودل كثير من أهل العلم على مواقع الفساد من تربيتهم، ونقص الاستعداد من عاداتهم، وأشاروا إلى تخلفهم في حلبة تنازع البقاء عن جيرانهم الألمان والإنكليز والأميركان تخلفا يخشى معه أن يبتلعهم الجنس السكسوني، فيكون مستقبل العالم له دون سواه.

القديم والحديث · الصفحة ١١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

القديم والحديثص ١١٦