الألحان تصفي الأرواح، وتبعث النشاط في النفوس، فبها قد يجسر الجبان في ساحة الوغي، ويكرم الشحيح، ويرق الكثيف، ويلين القاسي، ويقوى الضعيف، ويعدل الظالم، ويعطف اللئيم، وخير الأغاني والأناشيد ما كانت ملحنة بألحان تناسبها معربة الألفاظ جيدة المعاني، وما قيل من أنه ليس على المطرب أن يعرب ليس صحيحا من أكثر وجوهه، فإن لجودة اللفظ والمعنى تأثيرا لا ينكره إلا مريض الذوق بعيد عن مناحي الآداب سقيم الفهم.
كان الناس في القديم لا يعرفون غير العود
3
والقانون والمزامير والشبابات والصلاصل والطارات والتغيير والكوبة من آلات الطرب، واليوم أتى الإفرنج بالأرغن والبيانو وغيرهما من أدوات الطرب، ولكن جل الاعتماد على البيانو لا يكاد يخلو منه بيت ذي نعمة في الغرب، يضرب به أولاده وزوجه وضيوفه، ويوقعون عليه أنواع الأغاني والأناشيد، وتعلمه فيما نحسب أسهل من تعلم العود المألوف في هذا الشرق الأقرب، والتغيير هو الغناء بالطقطقة بالقضيب، وإنما سمي تغييرا لأن محدثيه يسمون المغيرة، والكوبة طبل طويل ضيق الوسط ذو رأسين وهو المعروف بالدربكة في بلاد الشام.
قال يزيد بن عبد الملك يوما وذكر عنده البربط: ليت شعري ما هو؟ فقال له عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أنا أخبرك ما هو، محدودب الظهر أرسح البطن، له أربعة أوتار إذا حركت لم يسمعها أحد إلا حرك أعطافه وهز رأسه.
وقد ورد في الكتاب والسنة وسيرة أعاظم سلف الأمة إشارة إلى الغناء، وإلى تجوزهم في سماعه، وهم - ولا شك - أحسن قدوة في هذا الباب، قال القرطبي: ومن الاستدلال بالكتاب من ذلك أي على الغناء قوله تعالى:
ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله ، قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وعكرمة: هو الغناء، وقوله تعالى:
واستفزز من استطعت منهم بصوتك ، قال مجاهد: إنه الغناء والمزامير،
وأنتم سامدون ، قال ابن عباس: هو الغناء، ومن السنة ما خرجه الترمذي أن النبي
صلى الله عليه وسلم
رجع من بعض مغازيه، فجاءته جارية سوداء فقالت: يا رسول الله! إني كنت نذرت إن ردك الله سالما أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى، فقال لها: إن كنت نذرت فاضربي، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل علي وهي تضرب ثم دخل عمر، فألقت الدف تحتها، فقال النبي
صلى الله عليه وسلم : إن الشيطان ليخاف منك يا عمر. وفي حديث عائشة أن امرأة زفت إلى رجل من الأنصار، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : يا عائشة! أما كان معهم لهو، فإن الأنصار يعجبهم اللهو. واللهو هو الغناء.
وحكي أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
قدم من سفر، فصعد النساء على السطوح يضربن بالدفوف ويقلن:
طلع البدر علينا
من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا
ما دعا لله داع
روى ابن عبد ربه في العقد الفريد: قال بعض أهل التفسير في قول الله:
يزيد في الخلق ما يشاء
هو الصوت الحسن، وقال النبي
صلى الله عليه وسلم
لأبي موسى الأشعري لما أعجبه صوته: لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود.
كان أبو يوسف القاضي ربما حضر مجلس الرشيد وفيه الغناء، فيجعل مكان السرور به بكاء، كأنه يتذكر به نعيم الآخرة، وقال أحمد بن أبي دؤاد: إن كنت لأسمع الغناء من مخارق عند المعتصم، فيقع علي البكاء حتى إن البهائم لتحن إلى الصوت الحسن وتعرف فضله.
وكان صاحب الفلاحات يقول بأن النحل أطرب الحيوان كله إلى الغناء وأن أفراخها تستنزل بمثل الزجل والصوت الحسن، قال في العقد: وأردف النبي
صلى الله عليه وسلم
الشريد فاستنشده من شعر أمية فأنشده مائة قافية وهو يقول: هيه استحسانا لها، فلما أعياهم القدح في الشعر والقول فيه، قالوا الشعر حسن ولا نرى أن يؤخذ بلحن حسن، وأجازوا ذلك في القرآن وفي الأذان، فإن كانت الألحان مكروهة فالقرآن والأذان أحق بالتنزيه عنها، وإن كانت غير مكروهة فالشعر أحوج إليها؛ لإقامة الوزن وإخراجه عن حد الخبر، وما الفرق بين أن ينشد الرجل «أتعرف رسما كاطراد المذاهب» مرسلا أو ليرفع بها صوته مرتجلا، وإنما جعلت العرب الشعر موزونا لمد الصوت فيه والدندنة، ولولا ذلك لكان الشعر المنظوم كالخبر المنثور.