واحتجوا في إباحة الغناء واستحسانه بقول النبي
صلى الله عليه وسلم
لعائشة: أهديتم الفتاة إلى بعلها، قالت: نعم، قال: فبعثتم معها من يغني؟ قالت: لا، قال: أو ما علمت أن الأنصار قوم يعجبهم الغزل ألا بعثتم معها من يقول:
أتيناكم أتيناكم
فحيونا نحييكم
ولولا الحبة السمرا
ء لم نحلل بواديكم
واحتجوا بحديث عبد الله بن أويس ابن عم مالك، وكان من أفضل رجال الزهري، قال: مر النبي
صلى الله عليه وسلم ، بجارية بظل قارع وهي تغني:
هل علي ويحكم
إن لهوت من حرج
فقال النبي
صلى الله عليه وسلم : لا حرج إن شاء الله.
حدث عباس بن المفضل قاضي المدينة قال: حدثني الزبير بن بكار قاضي مكة عن مصعب بن عبد الله قال: دخل الشعبي على بشر بن مروان وهو والي العراق لأخيه عبد الملك بن مروان، وعنده جارية في حجرها عود، فلما دخل الشعبي أمرها، فوضعت العود، فقال له الشعبي: لا ينبغي للأمير أن يستحي من عبده قال: صدقتم، ثم قال للجارية: هات ما عندك، فأخذت العود وغنت:
ومما شجاني أنها يوم ودعت
تولت وماء العين في الجفن حائر
فلما أعادت من بعيد بنظرة
إلي التفاتا أسلمته المحاجر
فقال الشعبي: الصغير أكيسهما - يريد الزير - ثم قال: يا هذه، أرخي من بمك وشدي من زيرك، فقال له بشر: وما علمك، قال: أظن العمل فيهما، قال: صدقت، ومن لم ينفعه ظنه لم ينفعه يقينه.
أرق معاوية ذات ليلة، فقال لخادمه خديج: اذهب فانظر من عند عبد الله (ابن جعفر وكان ضيفه أنزله في دار عياله بالشام) وأخبره بخروجي إليه، فذهب فأخبره، فأقام كل من كان عنده ثم جاء معاوية، فلم ير في المجلس غير عبد الله، فقال: مجلس من هذا؟ قال: مجلس فلان، قال معاوية: مره يرجع إلى مجلسه، ثم قال: مجلس من هذا؟ قال: مجلس فلان، قال: مره يرجع إلى مجلسه، حتى لم يبق إلا مجلس رجل، فقال: مجلس من هذا؟ قال: مجلس رجل يداوي الآذان يا أمير المؤمنين، قال له معاوية: فإن أذني عليلة، فمره فليرجع إلى موضعه، وكان موضع بديج المغني، فأمره ابن جعفر فرجع إلى موضعه، فقال له معاوية: داو أذني من علتها، فتناول العود ثم غنى:
أمن أم أوفى دمنة لم تكلم
بحومانة الدراج فالمتثلم
فحرك عبد الله بن جعفر رأسه، فقال معاوية: لم حركت رأسك يا ابن جعفر؟ قال: أريحية أجدها يا أمير المؤمنين لو لاقيت عندها لأبليت، ولئن سئلت عندها لأعطيت، وكان معاوية قد خضب، فقال ابن جعفر لبديح: هات غير هذا، وكانت عند معاوية جارية أعز جواريه عنده كانت متولية خضابه فغناه بديح:
وليس عندك شكر للتي جعلت
ما أبيض من قادمات الشعر كالحمم
وجددت منك ما قد كان أخلقه
صرف الزمان وطول الدهر والقدم
فطرب معاوية طربا شديدا، وجعل يحرك رجله، فقال ابن جعفر: يا أمير المؤمنين، سألتني عن تحريك رأسي فأخبرتك وأنا أسألك عن تحريك رجلك، فقال معاوية: كل كريم طروب، ثم قام وقال: لا يبرح أحد منكم حتى يأتيه أذني، فبعث إلى ابن جعفر بعشرة آلاف دينار ومائة ثوب من خاص ثيابه، وإلى كل رجل منهم بألف دينار وعشرة أثواب.
روى المبرد في الكامل، قال: حدثت أن معاوية استمع على يزيد ذات ليلة، فسمع من عنده غناء أعجبه، فلما أصبح قال ليزيد: من كان ملهيك البارحة، فقال له يزيد: ذاك سائب خاثر، قال: إذن فاخثر له من العطاء. وحدثت أن معاوية قال لعمرو: امض بنا إلى هذا الذي قد تشاغل باللهو، وسعى في هدم مروءته حتى ننعي عليه أي نعيب عليه، فعله يريد عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، فدخلا إليه وعنده سائب خاثر وهو يلقي على جوار لعبد الله، فأمر عبد الله بتنحية الجواري لدخول معاوية، وثبت سائب مكانه، وتنحى عبد الله عن سريره لمعاوية، فرفع معاوية عمرا، فأجلسه إلى جانبه، ثم قال لعبد الله: أعد ما كنت فيه، فأمر بالكراسي، فألقيت وأخرج الجواري، فتغنى سائب بقول قيس بن الخطيم: