تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونقل الغزالي أيضا عن أبي طالب المكي إباحة السماع عن جماعة فقال: سمع من الصحابة عبد الله بن جعفر، وعبد الله بن الزبير، والمغيرة بن شعبة ومعاوية وغيرهم، وقال: قد فعل ذلك كثير من السلف الصالح صحابي وتابعي بإحسان وقال: لم يزل الحجازيون عندنا بمكة يسمعون السماع في أفضل أيام السنة، وهي الأيام المعدودات التي أمر الله عباده فيها بذكره كأيام التشريق، ولم يزل أهل المدينة مواظبين كأهل مكة على السماع إلى زماننا هذا، فأدركنا أبا مروان القاضي، وله جوار يسمعن الناس التلحين قد أعدهن للصوفية، قال: وكان لعطاء جاريتان يلحنان، فكان إخوانه يستمعون إليهما، قال: وقيل لأبي الحسن بن سالم: كيف تنكر السماع وقد كان الجنيد وسري السقطي وذو النون يستمعون، فقال: وكيف أنكر السماع، وقد أجازه وسمعه من هو خير مني، فقد كان عبد الله بن جعفر الطيار يسمع وأنا أنكر اللهو واللعب في السماع.

هذا ما قال الغزالي، ونقله في السماع وفوائده، والمحرم منه في الإسلام ما كان مانعا عن العمل والعبادة محركا للشهوات البهيمية، كما أن آلات الطرب يكون حكمها حكم السماع والتلحين، وفي هذه المسألة مرادات واختلافات بين العلماء في القديم والحديث، ولكن العقلاء منهم اختاروا التوسط، والتوسط محمود في كل حال، فإنهم لم يقبلوا أن يخرجوا بالناس عن الطبع والطبيعة؛ لأنهم إذا منعوا ما هو ضروري من ضرورات الحياة لا يعود الناس يبالون ويسيرون بلا وازع، وعلى كل فإن الاعتدال هو غاية الغايات حتى في العبادة.

نحن في عصر أصبح فيه الغناء من الفنون ذات القواعد والروابط والأصول؛ ولذلك ترى المنشدين والمغنين والموسيقيين يختارون من الألحان ما يناسب الظرف الذي هم فيه، وتراعى به حالة المستمعين، وقد ادعى بعضهم أن من النغمات ما يطيب في يوم ولا يطيب في آخر، وبعض الألحان قد يكون لها من التأثير ما لا يكون لغيرها، ولا شك أن للحالة النفسية التي يكون عليها المغني والمغنى له دخلا كبيرا في الطرب، فقد وقع لنا أن طربنا مرات بشباب الراعي في الجبال أكثر من سماع الناي والقيثارة، وأن راقنا الغناء الطبيعي أكثر من المصنع الموقع على الألحان، وكثيرا ما يسمع المرء أمهر الموسيقاريين بين المنشدين، فلا يرتاح كما يرتاح لسماع بدوي في البادية يحدو ويتغنى، كأن النفس لا تميل إلا إلى الطبيعي من الأشياء الخالي من الطلاء الصنعي.

قال أبو المنذر هشام بن الكلبي: الغناء على ثلاثة أوجه: النصب والسناد والهزج، فأما النصب فغناء الركبان والقينات، وأما السناد فالثقيل الترجيع الكثير النغمات، وأما الهزج فالخفيف كله، وهو الذي يثير القلوب ويهيج الحليم، وإنما كان أصل الغناء ومعدنه في أمهات القرى من بلاد العرب ظاهرا فاشيا، وهي المدينة والطائف وخيبر ووادي القرى ودومة الجندل واليمامة، وهذه القرى مجامع أسواق العرب، وكانت العرب تسمي القينة الكرنية والعود الكران والمزهر أيضا هو العود وهو البربط، وكان أول من غنى في الإسلام الغناء الرقيق طويس، وهو علم ابن سريج والدلال ونؤمة الضحى، وقالوا: غناء كل مغن مخلوق من قلب رجل واحد وغناء ابن سريج مخلوق من قلوب الناس جميعا، وكانوا يقولون: الغناء على ثلاثة أضرب: فضرب منه مطرب محرك ويستخف، وضرب ثان له شجى ورقة، وضرب ثالث حكمة وإتقان صنعة.

الغناء مؤثر في البهائم فكيف لا يؤثر في الإنسان، هو يؤثر في الطيور والهوام، ولطالما شوهد العصفور والشحرور يرفرفان أمام مغن مطرب وآلة موسيقية شجية، وقد أخذهما الطرب فاقتربا يستمعان للأغاني، ورنات المثالث والمثاني كما يقترب الطروب من الأناسي، وشوهد أن الأفاعي خرجت من أوكارها تستمع لنغمة شاد أو ضربة موسيقار، بل شوهد أن من الغناء ما تهتز له جوانب القصور، وترتج رفوفها وحيطانها، ولعل ما قيل من أن صوت فلان يطرب الجماد له من الواقع أو الوقائع ما يؤيده.

القديم والحديث · الصفحة ١٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

القديم والحديثص ١٠٧