تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يقول ابن خلدون:

16

إن الهياكل العظيمة جدا، لا تستقل ببنائها الدولة الواحدة، والدول العربية لم يطل عهد حكمها قرونا، كما كانت آماد أمم القبط والنبط والروم والعرب الأولى من عاد وثمود والعمالقة والتبابعة؛ ولذلك لم تقم للمسلمين العرب مصانع عظيمة كأهرام مصر، وسد مأرب، وإيوان كسرى، تخلد ذكرى ملوكهم، وتنم عن مدى تفننهم في صناعاتهم، ومن أجل هذا استغنى المسلمون بما وجدوا من مباني غيرهم، وعمروا ما اشتدت حاجتهم إليه بالطرق المشروعة، ومع هذا كتب لهم في زمن قصير أن يشيدوا مصانع بلغت من الإبداع مبلغا تعرفه العين لأول نظرة؛ لأنها لم تألف رؤية أمثاله، كما قال أحد الفلاسفة المعاصرين، وهناك شيء آخر: وهو أن بعض مصانع العرب لم تعمر بالحجر الصلد، بل اتخذ لها في الغالب الآجر والقرمد والخشب والأتربة، فكان فعل الطبيعة فيها عظيما، ويقول سكريتان:

17

منذ استعاض الغرب عن البناء بالخشب، وألف البناء بالحجر، ظهرت مدنه ومصانعه بمظهر غير مظهرها، وقد أبطأ الشرق في البناء بالحجر خيف الزلازل.

ومن ينكر على الرومان تفردهم بين الأمم بإقامة المصانع العجيبة التي أعجب بها كلرمون جانو وكثير قبله وبعده من أمم الإفرنج، أحفاد الرومان وورثة مجدهم، ولكن هذا الإعجاب بما صنعوا لا ينفي أنهم كانوا كاليونان يستبيحون ارتكاب

18

كل منكر مع أعدائهم الذين جاهروهم العداء؛ فكانوا لا يتحرجون من قتل العزل من أسلحتهم ومن بيع الأسرى كالرقيق، ومن نهب المدن وحرق القرى، ومع أن هذا الظلم لم يرتكب مثله التتر وبرابرة الشمال، فإن المتغني بعدل الرومان واليونان، المأخوذ بالإعجاب بما تركوا من مصانع وتماثيل، يحاول تمجيدهم في كل شيء بالباطل والحق، حتى ليعتذر عن ظلمهم وتعذيبهم، ويصورهم كأنهم المثل الأعلى في الإنسانية، والبعد عن الصغائر. ولكل أمة لو أنصفنا مساوئ ومحاسن، تساوى في ذلك القديم والحديث والصغير والكبير منها.

التهمة بحريق خزانة الإسكندرية

طالت محاولة المتعصبة إلصاق تهمة حريق خزانة الإسكندرية بعمر بن الخطاب، وقد ثبت لعلمائهم أنفسهم أنها حرقت قبل الإسلام بقرون،

19

ومع ظهور الحق في هذه المسألة، بعد أن لاكتها الألسن كثيرا، نرى أناسا يتخيلون أن في ترديد هذه الأكذوبة على الخليفة الثاني حطا من قدره، فيذكرونها عند كل موقف، ليدلوا على جهل الخليفة، وتصلبه في أفكاره، وتجافيه عن الأخذ ممن سلف من الأمم.

حرقت خزانة الإسكندرية غير مرة بأمر الإمبراطورين ثيودوسيوس ويوستنيانوس، وآخر حريق لها كان قبل الهجرة بمائتي سنة، ذكر جيبون في تاريخ سقوط دولة الرومان أن هذه الفرية على المسلمين لفقها أبو الفرج بن العبري في تاريخ مختصر الدول، وذلك بعد الإسلام بنحو ستمائة سنة، ولم يتعرض قبل أبي الفرج مؤرخ واحد لذكرها، حتى إن أفتيكيوس بطريرك الإسكندرية مع توسعه في الكلام على استيلاء المسلمين على ثغر مصر، لم يذكر كلمة عن حريق عمرو بن العاص لهذه الخزانة، وقد ذكر أرفنج وكريستون وفلين وغيرهم أن ما أشيع من مساوئ الإسلام والمسلمين بهذا الشأن، لم يكن له ذكر قبل نقل كتاب مختصر الدول إلى اللاتينية، ومن ذلك الحين ابتدأ الغربيون يبغضون المسلمين ويحتقرونهم.

ومن جملة من نقضوا هذه الرواية من علماء الفرنسيس أرنست رنان، وآلبرسيم، وقد قال رنان من خطاب له في المجمع العلمي الفرنسي: إن العلم والدين الإسلامي لا يجتمعان، بيد أنه لا يعتقد أن عمر هو الذي أحرق خزانة الإسكندرية؛ لأنها أحرقت قبله بزمن طويل، وكتب إلينا آلبرسيم 14 آب سنة 1908: «لشد ما استحكم الوهم التاريخي زمنا بشأن عمر وخزانة الإسكندرية، وها هو الآن آخذ بالاضمحلال، أما أنا فقد اغتبطت بما سنح لي من الفرصة، فكنت من العاملين على مكافحة هذا الوهم، وأثبت بالبراهين التي وصلت يدي إليها ما اعتقدت أنه هو الحقيقة .» ونص عبارته في كتابه الذي سماه الكتاب

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٩