تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومثل ذلك وقع أيضا لعالم أثري مشهور اسمه كلرمون جانو، حيث قال: «إن المدنية العربية ليست سوى كلمة خداعة، لا وجود لها أكثر من فظائع الفتح العربي، وإنها آخر أنوار المدنية اليونانية والرومانية، طفئت بأيد خرقاء ولكنها محترمة وهي الإسلام.» كلام غث في الحقيقة ينم عن جهل بحقائق التاريخ، وإن كان صاحبه الصدر المقدم في علم الآثار، والغالب أنه شق عليه أن لا يرى العرب يرمون ما عور من مصانع اليونان والرومان، فسلبهم حقهم كله من اشتراكهم في خدمة المدنية، وجعلهم في مرتبة الفانداليين في التخريب، مدفوعا إلى هذا القول على ما يظهر بعاطفته لا بعقله، وفاته أن معظم آثار من أحبهم من اليونان والرومان خربت بعوامل الزمن الأرضية والسماوية، وما كان الإسلام سبب تداعيها على ما زعم بعض النافخين في بوق التعصب الديني، ورددوا ما طالما أجملوه ثم فصلوه، من أن الإسلام كان السبب في انقراض

14

الإرث الثمين الذي خلفته بابل وأشور وآسيا الصغرى وسورية وفينيقية فيما يختص بفن البناء والنحت وما إليه، ولو كان جانو حيا اليوم لما أحلناه إلا على ما كتبه ابن وطنه سيديليو

15

قال: وما زال الفرنج إلى الآن ينسبون إلى العرب جميع التخريب الذي يرون اليوم آثاره في الأقطار التي آغاروا عليها، وقد هولت الفرنج في شأنهم، مع أنهم كانوا في جميع الوقائع ذوي لطف عند الانتصار، وسبب ذلك ما رسخ في عقول الفرنج من الخوف والنفرة من العرب، وكانت وجوههم كالحة من حر الشمس وأعينهم مخيفة، هذا مع شدة عدو خيلهم، وغرابة ملابسهم، وتجريدهم سيوفهم، وتكلمهم بلغة لا يعرفها أهل تلك البلاد، لنشر دين بين هؤلاء النصارى المملوءة قلوبهم بتعاليم أساقفتهم، وكانوا لا يتفوهون إلا بالألفاظ الدالة على العداوة والبغضاء لهؤلاء العرب المنكرين ألوهية عيسى ابن مريم. ا.ه.

ومن أين لأثري أن يتفهم تاريخ العرب، وتاريخ الإسلام، كما قال لبون: «لم يوفق كثير من عظماء المؤلفين إلى فهمه، وما زالوا ينكرون فيه إبداع المدنية التي ولدها الدين.» ولو كتب لهذا الأثري أن يحسن التاريخ، لاقترحنا عليه أن يدلنا على الفظائع التي ارتكبها العرب في فتوحهم، ومعظم ما يبالغ في نسبته إليهم مما تبيحه القوانين الحربية، والرومان وهم مثال الدولة المدنية بزعمه، أتوا في بضع سنين من أنواع الجور واستعباد الخلق، ما لم يأت مثله العرب في القرون الأربعة الأولى، على اتساع رقعة ممالكهم.

وقد أجمع مؤرخو الغرب على أن فتح العرب في الأندلس كان أرحم بكثير من فتح الغوط «الويزغوت»، على أن تخريبات الحروب الدينية في الغرب في سبيل نشر النصرانية لتحل محل الوثنية، ثم ما نشب هناك من الفتن والغوائل قرونا طويلة دفاعا عن حمى الدين، كل ذلك كانت فظائعه أعظم من كل ما ارتكبته العرب من الفجائع المزعومة، وماذا نعمل وهذا الأثري كأمثاله، مأخوذ بحب الأحجار ورصفها، لا يثبت على ما يظن لأمة مزية إلا إذا جمعت منها جبالا وتلالا بأية طرق كانت، وما دامت الغاية تبرر الواسطة عنده، فلا يهمه إذا هلك عشرات الألوف من الخلق إن كان من وراء ذلك إنشاء معبد أو قلعة أو مسلة أو قوس أو طريق أو مسرح أو ساحة أو حمام.

السبب في قلة آثار العرب

ولقد رأينا الرومان حكموا الشام سبعة قرون وخرجوا منه، وهم لم ينهوا بناء هيكل الشمس في بعلبك، على كثرة من ساقوهم من الخلق ليعمروه، ومن سوء حظ العرب في الإسلام مع هؤلاء الناقمين عليه، أن السخرة محظورة في شريعتهم؛ ولذلك كانت مصانعهم مما عمر على الأغلب بأموال الملوك والخلفاء والأمراء وأهل الخير، فجاءت أعمال أفراد لا أعمال جماعات، ولكل أمة أسباب قاهرة ليس في مكنتها التفلت من قيودها، ولكل جماعة مصطلح لا تخرج عنه؛ لأنه ربيب عاداتها وأليف خلقها وروحها.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٨