تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فمن سخافات المؤلفين الذين ألقوا الكلام على عواهنه

4

في الإسلام قول كوفين

5

من جامعة واشنطون: «إن الشريعة الإسلامية التي دان بها وقدسها، مائتان وثلاثة وثلاثون مليونا من الناس،

6

قد حفظت في تضاعيفها شرورا اجتماعية تئن منها الإنسانية، ومع هذا قدست الشريعة هذه الشرور باسم الدين.» جملة ربما قالها الكاتب الأميركي وهو لم ير حياته مسلما، ولا قرأ كتابا معتمدا من كتب العرب، قالها بدافع هو يعرفه أو فاه بها ليأتي بالغريب، وأميركا مهد الغرائب، وكأنه اكتفى بهذا الاقتضاب علما منه بأن ما قاله من البديهيات لا يعوزها شرح وتفصيل، ولو أنصف لفسر لنا هذه الشرور التي اتهم بها الإسلام وأنت منها الإنسانية، كأن الإنسانية لم تئن مثلا من معاملة الجنس الأبيض للأسود في أميركا، قال فوليه:

7 «تحدث مشاهد في الولايات المتحدة لا تورث الأميركان فخرا، وذلك أن الزنوج يحبون النساء البيض محبة شديدة، حتى لقد يرضون شهواتهم بالعنف أحيانا، ويقضي قانون «لنش» أن يطلي من يأتي ذلك بالقطران، ويحرق كما تحرق الشموع، وتضطر الحكومة السود في الناحية التي وقع فيها الفعل إلى حضور مشهد إحراق رفاقهم.»

نعم، كأن الإنسانية لم تئن من الحروب الدينية التي أهلكت فيها الإمبراطورة تيودورا وحدها نحو مائة ألف من المانويين في أواسط القرن التاسع، كما أهلك الكاثوليك من البرتستانت في مذبحة سانت بارتملي مائة ألف

8

أيضا، وكأن الإنسانية كانت راضية عن أعمال ديوان التحقيق الديني الذي قتل في إسبانيا وحدها، كما قال ريناخ:

9

نحو مائة ألف إنسان على أقل تعديل، وكأن الإنسانية أقرت المذابح العظيمة التي قامت في الغرب تنفيذا لرغبة الباباوات في قتل الملحدين، ومنها ما قضى على أقاليم برمتها بالخراب، كالحرب التي أعلنها

10

البابا إينوسانت الثالث سنة 1208م، فخرب جنوبي فرنسا وأقفرت مدن برمتها، ومنها كركاسون وبزيه، وكالحرب التي أثارها الكاثوليك على البرتستانت المفرطين في طلب الإصلاح، وكانوا يدعونهم الأنابابتيست، فقتل فيها 160 ألفا، وأهلك توركمادا الدومنيكي الإسباني 1420-1498 ستة آلاف إنسان بالنار، وطلب جزاء عمله منصب كردينال من البابا، وقد حكم على 8800 بالحرق، وعلى 96504 بعقوبات أخرى، وكانت الحكومة تحميه بخمسين فارسا ومائتي راجل، وكانت الأرواح لا قيمة لها في نظر المدافعين عن المعتقدات، ويرون القسوة فضيلة يثاب عليها فاعلها، وكان المؤمن حقا من لا تنفثئ

11

سورة غضبه للدين الذي يتخيل أنه الحق وما عداه باطل، ولو لم تأت الثورة الفرنسية الكبرى على هذه الفجائع التي امتدت لأواؤها

12

قرونا باسم الدين، والدين منها بريء، لظل سلطان الدينيين في الغرب إلى اليوم بحاله، ولتأخرت المدنية عن سيرها الطبيعي أكثر مما تأخرت بصنع رجال الكنيسة ومن جاراهم من الأقيال والأمراء والملوك.

رد على رنان وجانو في الإسلام

ومن الناقدين من وقعوا في غلط الحس؛ فحكموا على العرب والإسلام أحكاما لا مبرر لها، ربما كانوا يعدلون عنها لو ساعدهم الزمن فرجعوا اليوم إلى تمحيص ما دونوا، كما وقع لرنان يوم زار في القرن الماضي جزيرة أرواد،

13

فشاكسه بعض أهلها، فهجا أهل الجزيرة بأسرهم، بل السوريين بأجمعهم، بل المسلمين عامة، وقال: إن غلط الفكر هو مظهر خلق السوريين، وإن الأرواديين قاوموه للبغض المتأصل في قلب كل مسلم لما يقال له علم، وقال في مناسبة أخرى: إن الذي يميز العالم الإسلامي إنما هو اعتقاد المسلمين أن البحث لا طائل تحته، وأنه قد يؤدي إلى الكفر، وحكم هذا المؤلف على جماع السوريين، بما رأى من انحطاط صيادين معدمين في جزيرة صغيرة، وعلى كل مسلم بأنه عدو العلم والبحث في فطرته، لا يصح على إطلاقه؛ لأنه بعيد عن المنطق، ولا يتلاءم بحال مع حكمة صاحبه وعلمه الواسع، ونظن رنان وهو يكتب قبل زهاء سبعين سنة، لو زار بعض البلاد العربية اليوم لغير رأيه في الحكم على المسلمين، ولرأى كثيرا من عامتهم قد تحرروا مما سماه تعصبا أعمى، وألفوا ممارسة الحقائق، وأقبلوا على العلم على اختلاف ضروبه وكان بعضهم بالأمس ينكرونه ويعقونه.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٧