قالوا: وبينا كان التوحش ضاربا أطنابه
18
على غاليا، أي فرنسا، وعلى جرمانيا، كان العرب قابضين على زمام الأحكام في جنوبي فرنسا من جبال البرينات إلى جبال الألب، يحملون من مستعمراتهم إلى برغونيا وسويسرا في الشمال، وإلى التيرول ولمبارديا في الجنوب، ما تعلموه من العلوم في مدارسهم، وفي ذاك العهد انتقلت إلى الغرب عادة استعمال الأرقام العربية والكسور العشرية، وبقيت أسماؤها مع ما لحقها من التعديل عربية صرفة، وجاءت التعابير النادرة إلى اللغة الفرنسية من اللغة العربية أكثر من اللاتينية، وإن كان في الفرنسية على عهد أول نهضتها لفظة واحدة يونانية مقابل خمسمائة لفظة لاتينية، فمن العدل أن يقال: إنه كان مثل ذلك من اللغة العربية، فأخذ الفرنسيس
19
نحو تسعمائة كلمة من العربية وأدخلوها في معاجمهم واستعمالهم، ومنها ما دخل لغتهم في الحروب الصليبية.
وقد حدث للغة الفرنسية وآدابها
20
في عهد الصليبيين ما يحدث في مثل هذه الأحوال على قاعدة مطردة، وهو أن لغة الأمة التي استفاضت مدنيتها يؤثر أهلها في غيرهم، وكان الشرقيون ولا سيما العرب واليونان أكثر الأمم تمدنا بلا مراء على ذاك العهد، وقد تعلم قليل من العرب والترك والكرد لغة الفرنج، وهذا عدا بعض التراجمة الرسميين، وتعلم على العكس كثير من الصليبيين لغة الوطنيين عقبى وصولهم إلى فلسطين، ولا ريب أن مجاورة المدنية الإسلامية قد ساعدت على زيادة النفوذ الذي كانت العلوم العربية والفنون العربية تؤثرها في الإفرنج منذ زمن طويل ، وجاء في تاريخ اللغة الفرنسية وآدابها بعد إيراد ما تقدم: ومعلوم ما تدين به لهذا التأثير علوم الفلسفة والرياضيات والفلك والملاحة وتركيب النيران الصناعية والطب والكيمياء حتى فن الطبخ، فقد أخذنا عن العرب أشياء كثيرة من مثل طريقة الأرقام وشروح أرسطو حتى حمام الزاجل والرنوك وأدوات الموسيقى والأزياء والألبسة والأزهار والبقول، وإذا حدث أن ما نقل لم يسم باسم المدينة الشرقية المأخوذ عنها، مثل ثوم عسقلان وكساء دمشق، فإن غيرها قد احتفظت بأسمائها العربية مع بعض التحريف، وهي كثيرة ويتألف منها في الفرنسية مجموع كبير في الجملة. ا.ه.
وقال يهودا من جامعة مجريط:
21
أخذ الناس يدركون الآن أن أوروبا في القرون الوسطى مدينة للحضارة العربية التي اغترف من مناهلها المسلمون واليهود والنصارى على السواء، أخذ الناس الآن يفهمون أن العلوم الطبيعية والقوانين الأساسية في الفلسفة والرياضيات وعلوم العمران كانت تستمد روحها في زمن النهضة والإصلاح من ذلك المنهل العذب ألا وهو الحضارة العربية، وصار علماء العصر كلما تعمقوا في دراسة هذه الحضارة أدركوا أثرها البليغ في حضارة اليوم، وكشفوا مئات الكلمات الداخلة في اللغات الأوربية من أيام تلك الحضارة إلخ.
تأثر اللغات الشرقية بالعربية
هذا ما تأثرت به اللغات الأوربية المجاورة للعربية أيام بهائها، وذلك بقوى دولها والروح الساري من حضارتها، بقي الكلام على تأثر اللغات الشرقية بها؛ فمن أهم اللغات التي تأثرت بها اللغة الفارسية،
22
مع أنها كانت لغة حضارة راقية، وربما كان نحو نصف ألفاظها اليوم عربيا، ومثل ذلك يقال في اللغة العثمانية أو التركية على اختلاف لهجاتها كالقرقز وايغر وقفجاق وبشغرت وجغطاي. وتأثرت بالعربية اللغة الأوردية ولغة الملايو، أي الجاوية، واللهجة الأفغانية ولغات السودان المصري واللغات البربرية في إفريقية.
واللغة العربية اليوم في السنيغال هي لغة المسلمين، وتعتمد بقية اللغات الوطنية على الحروف العربية في كتابة لغتها،
23
وهي شائعة في السودان الفرنسي وفي شاطئ العاج، ويعتمدون في النيجر على الحروف العربية، وذلك في التجارة وكتابة اللغات المحلية، ويعتمد غير المسلمين في ليبريا على الحروف العربية في تدوين لغاتهم، وهكذا في نيجيريا الشمالية تدرس العربية في المدارس الابتدائية، واللغات الوطنية تكتب بحروف عربية، والعربية منتشرة في أقاليم الشاد وجيبوتي والحبشة، وأهل هذه الديار من المسلمين يتكلمون في العادة لغتين، ويعتمد معلمو يوجوسلافيا على الحروف العربية في كتابة اللغة الصربية والتركية، وجميع علماء قازان والقريم يتكلمون العربية، وكذلك علماء كرجستان وطاغستان وشركسستان، واللهجات المحلية في أفغانستان تكتب بحروف عربية، وتستعمل العربية في سيام قليلا، ويستخدم مسلمو الفيليبين العربية لتدوين لغتهم. والعربية تدرس في جميع مدارس المسلمين في الهند، ولها سوق رائجة في جامعة عليكرة في شمالي الهند، وفي مملكة حيدر آباد الدكن، وكذلك الحال في بلاد إيران.