تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي كتاب لغات العالم أن العربية كانت لغة الكتابة عند الشعوب القليلة التمدن، كما كانت لغة شعوب إسلامية كتبوا بها لغتهم، وقد حملت العربية من الألفاظ الدينية والعلمية ما لا يحصى عدده، دخلت في التركية والفارسية وغيرهما، وإذا أراد الزنوج المسلمون في إفريقية ممن خرجوا عن الأمية أن يدونوا شيئا فيكتبونه بالعربية، وهم لا يتكلمونها في كل مكان، ولكنهم اتخذوا من العربية المكتوبة لغة علمية ولغة تراسل، يقول داربر: من الخطأ والخطل أن ينسب تقدم الإسلام إلى السيف وحده، وقد يستطيع السيف أن يغير عقيدة قوم، ولكنه لا يملك التأثير في ضمائر الأفراد وأفئدتهم، وإن عاملا أقوى من السيف، وسببا أشد تأثيرا من الخوف، صحبا الإسلام فأخذ يتغلب على الحياة الخاصة والعامة في آسيا وإفريقية، وساعد ذلك على انتشار اللغة العربية في أمم شتى تكاد لا تحصى. ا.ه.

الشعوب التي تتكلم العربية

ويتكلم اليوم باللغة العربية،

24

أو بها وبلغة أخرى، في جزيرة العرب والعراق والشام إلى تخوم آسيا الصغرى وفي إفريقية الشمالية «طرابلس وبرقة وتونس والجزائر والغرب الأقصى» إلى حدود الصحراء ومالطة ومصر إلى أقصى الجنوب، حيث الأنهار التي تتألف منها منابع النيل الغربية، وانتشرت في كردوفان ودارفور وواداي وبورنو وفي النيجر والسنيغال والصحراء الغربية الواقعة بين السنيغال والغرب الأقصى، ولم يستعمر سكان بلاد العرب الجنوبية جزيرة زنجبار فقط، بل استعمروا الأرض الإفريقية المناوحة لها، وبعثوا المستعمرين إلى أرخبيل ماليزيا، وقديما كانوا يتكلمون بالعربية، وتكلموا العربية حتى القرن الثامن عشر في جزيرة قوصرة «بنتيلاريا» بين تونس وصقلية.

وفي كلام أهل هذه الجزيرة وأهل جزائر الباليار كثير من المفردات العربية، ويتكلم العربية بعض أهل مدغسكر، ولا يعرف بالتحقيق إذا كانت العربية لسان شعب الموبال في الجنوب الغربي من الهند، وقد نشر الحضارمة من سكان اليمن اللغة العربية حيث حلوا من بلاد الهند الإنجليزية والمستعمرات الهولاندية، وصدروا بها جرائد وأنشأوا لتعليمها مدارس ابتدائية، ولا يقل عدد من يتكلمون العربية اليوم في البلاد العربية عن ستين مليونا على أقل تعديل، هذا عدا من يتكلمها ويكتبها من المسلمين في الصين والهند وجاوة وتركستان وإيران وأفغانستان والسودان، ولئن أصاب هذه اللغة في القرون الأخيرة بعض وهن لانقطاعها عن أن تكون لغة علم، وبقي حكمها باقيا في الدين والخطب والشعر، وضعفت آدابها، والآداب تبع لتقدم الأمة في سلم الحضارة، وهي صورتها الناطقة وأثر قوتها وانبعاثها، لئن أصاب اللغة ذلك فليس معناه أنها بليت ولم تعد تصلح لشيء كما يدعي بعض شعوبية الغرب، ويتابعهم بعض البلهاء أو المتفاصحين في الشرق.

العربية في عهدها الأخير واللهجات العامية

كانت اللغة الفصحى هي واسطة التفاهم بين عامة الشعوب الإسلامية في القارات الثلاث، منذ قيام دولة الراشدين إلى اليوم، وهيهات أن يكون حظها حظ اللغة اللاتينية من أكثر الأمم الغربية، فإن العربية رسخت قواعدها لمكان الدين منها، ثم لجعلها لغة مدنية راقية، ومن قارن بين حالتها اليوم وحالتها منذ مائة سنة، وما أصابته من الترقي بإدخال المدنية الجديدة على أهلها، لا يلبث أن يعرف بالبداهة أن العربية وسع صدرها لقبول جميع الأفكار الجديدة قديما وحديثا، وما عاق هذه اللغة كون لغة التخاطب في أكثر الأقطار العربية غير لغة التكاتب؛ لأن شروط البقاء فيها متوفرة بوفرة مادتها الأصلية، ولأن نفس كل مسلم تهوى إلى الاحتفاظ بها، وما أضر باللغة إلا انتشار الأمية زمنا طويلا بين أهلها، ولما أخذ أهل كل قطر بأساليب التعليم الجديدة في العهد الأخير، قربت لغة العوام بالضرورة من لغة الخواص، وكان ذلك بفضل المدارس والصحف والكتب والخطب والمحاضرات، وكم من لفظ فصيح شاع بالاستعمال اليوم بين الجمهور، بواسطة هذه العوامل في بث الفصيح، وكلما خفت الأمية بين الشعوب العربية، وربي الأولاد على الفصيح، يسمعونه في الجامع والمعبد والبيت والمدرسة والسوق، يتقارب عامي اللغة من فصيحها، وتمشي لغة الكتابة مع الطبع، مثل الكلام الدارج على الاستعمال.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٧٧