تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10

من بلاد ساحل القدس، ولما جلا الفرنج من الساحل مع طوائف النصارى إلى بلاد الفرنج عين لهم ملك النصارى جزيرة مالطة فقطنوا فيها؛ ولذلك كان لسانهم

11

قريبا من اللهجة الشامية، وفي لغتهم ألوف من

12

الألفاظ العربية وأصلها عربية، سطت عليها اللغات المجاورة فأفسدتها، يقول مليه:

13 «إن اللغة العربية لم تتراجع من أرض دخلتها؛ لتأثيرها الناشئ من كونها لغة دين ولغة مدنية، وعلى الرغم من الجهود التي بذلها المبشرون، ولمكانة الحضارة التي جاءت بها الشعوب النصرانية، لم يخرج أحد من الإسلام إلى النصرانية.» وقوله هذا لا يصدق إلا على آسيا وإفريقية، فقد عرفت العربية في جنوبي فرنسا مدة مائتي سنة، وفي جزائر صقلية وقرسقة وإقريطش وأصبح القسم المناوح لشمالي إفريقية عربيا أو يكاد، وصح أن يقال في الجملة: إن حوض البحر المتوسط غدا بحرا للعرب كما كان البحر الأحمر وبحر فارس وقسم من المحيط الهندي وبحر الظلمات من البحور العربية، ولو وفق معاوية بن أبي سفيان إلى فتح القسطنطينية لكانت العربية تناولت أوروبا من جنوبها الشرقي، كما تناولتها من جنوبها الغربي، وربما كانت مملكة القسطنطينية وما وراءها أقرب إلى أن يحتفظ بها العرب من شبه جزيرة أيبريا؛ إذ لا فاصل من البر يفصل بين بلاد المسلمين وبلاد الروم.

لم يمض على فتح الأندلس أكثر من خمسين سنة حتى اضطر رجال الكنيسة أن يترجموا صلواتهم

14

بالعربية ليفهمها النصارى؛ لأن هؤلاء زهدوا في اللغة اللاتينية ونشأ لهم غرام بالعربية، فأخذوا يتقنون آدابها، ويتغنون بأشعارها، ويكتبون بها كأبنائها، ويعجبون ببلاغتها إعجاب أهلها بها، وأصبح أهل البلاد يتكلمون بالإسبانية والبرتقالية والعربية على السواء، ثم أخذوا لا يتعاقدون بينهم إلا باللغة العربية، وقد وجد من عقودهم نحو ألفي صك كتبها المستعربة من الوطنيين الأصليين باللغة العربية، وكان كثير من أذكياء الجلالقة والقشتاليين والليونيين والنافاريين، دع من كانوا في البلاد من النصارى، يتكلمون العربية ويقصدون الخليفة الأندلسي أو أحد رجاله يستخدمون في أرضه، وفي مكتبة الإسكوريال في إسبانيا لعهدنا معاجم يونانية عربية، ولاتينية عربية، وعربية إسبانية، لمؤلفين من المسلمين.

سراية العربية إلى اللغات اللاتينية

وبعد هذا الاختلاط لا نستغرب أن نرى اليوم في الإسبانية كثيرا من الألفاظ العربية كأسماء البلاد والأنهار والنواحي وبعض المرافق والمصطلحات، وكل كلمة تبدأ عندهم بأل التعريف العربية هي عربية لا محالة، ومن الأسماء ما يبدأ ببني، ومنها ما يبدأ بوادي، فدخلت مئات من الألفاظ في اللغة الإسبانية وتأصلت فيها، كما دخلت العربية في البرتقالية والإيطالية والفرنسية لغات الأمم اللاتينية، والعربية ظاهرة كل الظهور في اللغتين الإسبانية

15

والبرتقالية، بل ليس

16

في الأرض لغة تقرب بتعابيرها ومترادفاتها وجمالها وأمثالها من اللغة العربية كاللسان الذي يتحدثون به اليوم في البرازيل والبرتقال، والبرتقاليون أجداد البرازيليين، ودخلت اللغة البرتقالية ثلاثة آلاف كلمة عربية ومعظمها يبتدئ بأل التعريف، ولا يزال على حاله باللفظ الإفرنجي، وقالوا: إن ربع الإسبانية مأخوذ من العربية.

وسراية العربية لم تقف عند حد اللغات اللاتينية، بل تعدتها إلى اللغات الجرمانية والسكسونية؛ فتجد ألفاظا عربية في الإنجليزية

17

والغالية القديمة والألمانية، واللغات الجرمانية الأصل كالهولاندية والإسكندنافية في شمالي أوروبا، وفي الروسية والبولندية واللغات الصقلبية الأخرى.

ومعلوم أن العرب استولوا على إقليم سبتمانيا في الجنوب الغربي من فرنسا على ساحل البحر المتوسط، وعلى مدينة ناربون وجعلوها قاعدة أعمالهم البحرية، واستولوا أيضا على مدينة قرقشونة ونيم وأتون وبون وسانس وأفينيون وبوردو، ثم استولوا على مرسيليا وأرل وعلى إقليم بروفنسيا ووصلوا إلى بواتيه على 332 كيلو مترا من جنوبي غربي باريز، ووقف العرب في إقليم سبتمانيا حيث أقاموا مراكز دائمة، وعقدوا عهودا مع أهل البلاد، وأدخلوا كثيرا من ألفاظهم في الاصطلاحات اليومية.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٧٥