نقد التاريخ وتوحيده
هذا وقد عقد لبون في آخر كتاب خطته يده في السنة الماضية، سماه الأسس
9
العلمية في فلسفة التاريخ فصلا في النقد التاريخي، قال فيه: «رأينا في الفصول السابقة مدى الشكوك التي تعرض للوقائع التاريخية حتى لما كان منها معروفا، فاقتضى للحكم عليها أن يتجرد فيها عن التأثيرات القومية والدينية والسياسية التي هي مرجع البت في معظم الأحكام؛ ولذلك جاءت التآليف التي كتبت في مختلف البلدان حاملة تقديرات متباينة في الحوادث الواحدة، وللأوهام الدينية خاصة سلطان على المؤلفين، على حين يعتقدون أنهم نجوا من تأثيراتها، لا جرم أن كثيرا من المؤرخين قد اندفعوا بسائق هذه الأوهام فأتوا بآراء بعيدة جدا عن محجة الصواب في بيان فضل الحضارة الإسلامية، ولا يزال التحامل على العالم الإسلامي القديم بحالة من الشدة؛ ولذلك وجب أن يعاد النظر في تاريخ القرون الوسطى بجميع أجزائه التي لها مساس بانتقال المدنية القديمة إلى العصور الحديثة.» ا.ه.
وبعد، فلم يبق من رأي يدلى به بعد هذا الكلام البالغ أقصى حدود الإنصاف والتعقل. وحقيقة إن من كتاب الغرب من إذا ذكروا الإسلام إلى اليوم، وصفوه بكل ما ينقص من قدره، وإذا اضطروا إلى الإشارة إلى المدنية العربية كأنهم يقولون بلسان الحال: إنها كعلم جابر، اقرأ تفرح، جرب تحزن، علمها لا ينفع، وجهلها لا يضر، يقول ماكس نوردو: «ولكم كبر مقام أناس بما دون المدونون من أخبارهم، حتى إن كثيرين ليعجبون من أرباب الرحلات السخفاء عجبهم من كبار الفاتحين المصلحين، وكم من أناس هم عظماء في نظر أمة، ولا يذكرون عند أمة أخرى، وكم من زلازل وحرائق أثرت في الانقلاب البشري أكثر من الحروب والغارات، وما السبب في ذلك إلا المؤرخون فإنهم غالوا في هذه وسردوا أخبار تلك على وجه عادي.»
أما الآن فمن المستحسن جد الاستحسان توحيد التاريخ في العالم، وتقليل جميع مصادر الأحقاد بين الأمم، على ما صرح بذلك رئيس مؤتمر التاريخ في لندن، وألح بوجوب السير عليه أحد كبار علماء إيطاليا قبل بضع سنين في رومية، وترى طائفة من العقلاء في الغرب نبذ كل ما يثير الحقد، ويدعو إلى الظنة، ويفك عرى الألفة، ولن يتم قيام هذا المجتمع الحديث إلا بتعاون الشرق مع الغرب تعاونا حقيقيا يقوم على الحرمة المتبادلة والمصلحة المشتركة، والعدل الذي لا يتجزأ، وللبشر اليوم مقصد أسمى من الخلافات والمناقشات التي جاءت القرون إثر القرون، وما زالت بحالها، لم تورث النفوس إلا اشمئزازا، ولم يترك الزمن الحافز مجالا للناس ليشتغلوا بأمور كان لها ما يبررها في عصور البطالة والجهالة، البشر بعد هذا التقارب في المواصلات والأفكار أحوج ما كانوا إلى التعارف والتعاطف، وإنصاف بعضهم بعضا، ليقوم نظامهم على الوئام والسلام.
| منازع الناقدين والناقمين
نقد مؤرخ أميركي وكلام في المذابح الدينية
اختلفت مناحي الطاعنين على الإسلام في الغرب منذ نحو مائتي سنة، فكان فيهم المخلص في نقده في الجملة، بيد أنه لم يرزق من ثقوب الذهن، ونزع ربقة الهوى، ما يؤهله لإصدار أحكام على العرب ومدنيتهم خالصة من العيوب والنزعات، ومنهم الذي لم يصل إلى درجة من التحقيق يستعد بها لوزن الأشياء بميزان القسط، فأرسل كلامه إرسالا، ظانا أنه أصاب شاكلة
1
الصواب، وما هو منه بقريب، ومنهم من أعمى التعصب المذهبي بصره وبصيرته، فكال الباطل كيلا، وخلط وخبط تحت ستار العلم والبحث، وهو لو حلف لك بكل محرجة
2
من الأيمان، ليثبت لك خلوه من الغرض ما زدته إلا تجهما
3
وسخرية، وللقارئ أن يجعل بعض من وقعوا في هذه المضايق من الغربيين في المرتبة التي يراهم أهلا لها، وذلك بجنايتهم على التاريخ الصحيح، والعلم المجرد، ولتسجيلهم على أنفسهم جهلا وغباوة.