6
قد جللها بالحبرة ووقف بمائة وصيف بعرفة في أعناقهم الفضة منقوش فيها «عتقاء الله عن حكيم بن حزام»، وأهدى ألف شاة، وكان جوادا تاجرا يخرج إلى اليمن، ويأتي الشام في الرحلتين رحلة الشتاء والصيف، وربح أرباحا كثيرة.
ولما أراد عمر أن يفرض العطاء شاور المهاجرين والأنصار فأشاروا عليه به، ثم شاور مسلمة الفتح فأشاروا عليه بفرض العطاء إلا حكيما فإنه قال له: يا أمير المؤمنين إن قريشا أهل تجارة ومتى فرضت لهم عطاء تركوا تجارتهم فيأتى بعدك من يحبس عنهم العطاء فتكون التجارة قد خرجت من أيديهم. وكان رأي حكيم، رأي حكيم؛ لأن معنى إطلاق العطاء تعويد الفئة الراقية من العرب الكسل، بعد أن كانوا أهل جد وعمل، فأصاب جزيرة العرب ولا سيما الحجاز ما أصاب إسبانيا في العصر الذي فتحت فيه أميركا الجنوبية، أيام كانت ترسل من البلاد الجديدة إلى إسبانيا ألوف من سبائك الذهب والمعادن الغريبة، حتى كثرت فيها الأموال، وفشت للناس ثروة ورفاهية، فمالوا إلى الدعة والترف، وآضت البلاد بعد مدة غير طويلة أفقر الممالك الغربية، وهكذا كان من أمر هذا العطاء وسع على المهاجرين والأنصار ومسلمة الفتح بعض الشيء أعواما قليلة، فكثر بهم سواد من يعيش من خزانة الأمة، بكثرة ما انهال على الحجاز من أموال الأنفال والغنائم والخراج والعشور والصدقات والجزى، ولما تمت الفتوح كانت التجارة خرجت من أيدي قريش، وعادت الحجاز إلى فاقتها الطبيعية.
كان سعد بن أبي وقاص أكثر أهل المدينة مالا، وأرسل إلى مروان بن الحكم بزكاة عين ماله خمسة آلاف درهم، وترك يوم مات مائتي ألف وخمسين ألف درهم، وكانت عبيد الله بن العباس ذا مال وهو جواد سخي، وكان العباس بن عبد المطلب أكثر بني هاشم مالا في الجاهلية. وكان أكثر الأسارى
7
فداء يوم بدر العباس؛ وذلك لأنه كان رجلا موسرا فافتدى نفسه بمائة أوقية من الذهب، وكان يعلى بن منية أكثر الناس غنى، وكان عبد الله بن أبي ربيعة والد عمر بن أبي ربيعة الشاعر غنيا، استقرض منه الرسول أربعين ألفا فجاءه مال فدفعه إليه، وقال: «بارك الله في أهلك ومالك، إنما جزاء السلف الأداء والحمد.» وكانت قريش
8
تلقب عبد الله هذا «العدل»؛ لأن قريشا كانت تكسو الكعبة في الجاهلية بأجمعها من أموالها سنة، ويكسوها هو من ماله سنة، فأرادوا بذلك أنه وحده عدل لهم جميعا في ذلك، وكان تاجرا موسرا ومتجره إلى اليمن. وأقرض حويطب بن عبد العزى النبي أربعين ألف درهم، وباع دارا من معاوية بخمسة وأربعين ألف دينار.
وكان عبد الرحمن بن عوف، أحد الثمانية الذين سبقوا الخلق إلى الإسلام، تاجرا كثير الأموال، وكان محظوظا
9
في التجارة، قيل: إنه دخل على أم سلمة فقال: يا أمة خفت أن يهلكني كثرة مالي، قالت: يا بني أنفق. باع مرة أرضا له بأربعين ألف دينار فتصدق بها كلها، وتصدق مرة بسبعمائة جمل بأحمالها قدمت من الشام، وأعتق ثلاثين ألف رقيق، وأوصى لأمهات المؤمنين بحديقة بيعت بأربعمائة ألف، وأوصى بخمسين ألف دينار في سبيل الله، وأوصى لمن بقي ممن شهد بدرا لكل رجل بأربعمائة دينار، وكانوا مائة فأخذوها، قالوا: وكان فيما ترك ذهب قد قطع بالفئوس حتى مجلت
10
أيدي الرجال منه، وكان على مربطه ألف فرس وله ألف بعير، وعشرة آلاف من الغنم، وترك أربع نسوة فأخرجت امرأة من ثمنها بثمانين ألفا، وتصدق على عهد الرسول بشطر من ماله أربعة آلاف ثم تصدق بأربعين ألفا، ثم تصدق بأربعين ألف ألف درهم، ثم حمل على خمسمائة راحلة في سبيل الله، وباع ضيعة له بخمسة عشر ألف درهم فقسمها في الأطباق،
11
قال سعد بن الربيع الأنصاري وهو أكثر الأنصار مالا، لعبد الرحمن بن عوف لما آخى بينهما الرسول: أنا أكثر أهل المدينة مالا فانظر شطر مالي فخذه، وتحتي امرأتان فانظر أيتهما أعجب إليك حتى أطلقها لك، فقال له عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، حتى إذا عمل عبد الرحمن في التجارة أتى عليه زمن فباع أرضا من عثمان بأربعين ألف دينار، فقسم ذلك في فقراء بني زهرة.