تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

غنى بعض الصحابة في الجاهلية والإسلام

لم يكن العرب كلهم بادية لا يذوقون طعم الحياة، ولا يحسنون شيئا من مقوماتها، بل كان بعضهم على شيء من الثروة، والثروة أم الرفاهية والنعيم؛ كان عمرو بن لحي ذا مال جزيل جدا، يقال: إنه فقأ

1

أعين عشرين بعيرا إشارة إلى أنه ملك عشرين ألف بعير، وكان من عادة العرب أن من ملك ألف بعير فقأ عين واحد منها؛ لأنه يدفع بذلك العين عنها، وذكر السهيلي أن عمرو بن لحي ربما ذبح أيام الحجيج عشرة آلاف بدنة، وكسى عشرة آلاف حلة في كل سنة يطعم العرب ويحيس لهم الحيس بالسمن والعسل ويلت لهم السويق.

وكان المخضرمون من العرب، أي الذين مضى نصف أعمارهم في الجاهلية ونصفها في الإسلام، ولا سيما غطاريفهم وأهل البيوتات منهم، على جانب من السعة في الرزق، ينعمون به ويفضلون من حر مالهم على الناس بهذا السخاء الذي لم يعهد لأمة أن دانتهم فيه، ومنهم من صرف ماله في الإسلام طائعا مختارا كأبي بكر الصديق،

2

ولما بعث النبي كان عنده أربعون ألف درهم، فكان ينفق منها ويقوي المسلمين، وقد أنفق في تجهيز جيش العسرة سنة تسع من الهجرة مالا كثيرا، قالوا: إنه عشرة آلاف دينار، وفي هذه الغزوة أنفق عثمان بن عفان نفقة عظيمة، وكان يعد في الجاهلية من الأغنياء، فجهز الجيش بتسعمائة وخمسين بعيرا بأقتابها، وأتمها ألفا بخمسين فرسا، وأعطى ألف دينار، وفي أيام خلافته كثرت الأموال بالمدينة، وكثر مال عثمان حتى كان له ألف مملوك، ولم يخلط من أموال المسلمين وأخماس الغنائم في ماله شيئا قط، واستغنى عمر بن الخطاب في الجاهلية في مدينة غزة هاشم، وكان متجرا لأهل الحجاز. وكانت خديجة زوجة الرسول الأولى، ذات مال كثير وتجارة، تبعث إلى الشام فيكون عيرها كعامة عير قريش، وكانت تستأجر الرجال وتدفع المال مضاربة، وكان أبو سفيان بن حرب شيخ تجار مكة معدودا في الموسرين قبل الإسلام؛ يجهز التجار بماله وأموال قريش إلى الشام وغيرها من أرض العجم، وكان يخرج أحيانا بنفسه، وله صلات مع بلاد الروم والعجم وله تجارات وأموال، وكانت له في البلقاء من أرض الشام قرية اسمها نقنس، وكان يوم بدر مقبلا من الشام

3

في عير لقريش عظيمة، فيها أموالهم وتجارة من تجاراتهم، وأبلى ذلك اليوم بلاء حسنا ليحفظ أموال المكيين، وكان لأمية من هذه الأموال أربعة أخماس، وقدرت الأموال كلها بخمسين ألف دينار.

وكان عثمان بن مظعون من أغنى قريش، دخلت امرأته على نساء النبي فرأينها سيئة الهيئة فقلن لها : ما لك؟ فما في قريش أغنى من بعلك، قالت: ما لنا منه شيء أما ليله فقائم، وأما نهاره فصائم، فدخل النبي

4

فذكرن ذلك فلقيه، فقال: يا عثمان بن مظعون أما لك بي أسوة؟ فقال: يا بأبي وأمي، وما ذاك؟ قال: تصوم النهار وتقوم الليل، قال: إني لأفعل، قال: لا تفعل، إن لعينيك عليك حقا، وإن لجسدك حقا، وإن لأهلك حقا، فصل ونم وصم وأفطر، قال: فأتتهن بعد ذلك عطرة كأنها عروس، فقلن لها: مه، قالت: أصابنا ما أصاب الناس. «واتسعت الدنيا على الصحابة

5

حتى كان الفرس يشترى بمائة ألف، وحتى كان البستان يباع بالمدينة بأربعمائة ألف، وكانت المدينة عامرة كثيرة الخيرات والأموال والناس، يجبى إليها خراج الممالك، وهي دار الإمارة، وقبة الملك، فبطر الناس بكثرة الأموال والخيل والنعم.» وكان حكيم بن حزام باع دارا له من معاوية بستين ألف دينار، فقيل له: غبنك معاوية، فقال: والله ما أخذتها في الجاهلية إلا بزق خمر، أشهدكم أنها في سبيل الله، انظروا أينا المغبون. وقيل: إن الزبير قال له: بعت مكرمة قريش، فقال حكيم: ذهبت المكارم إلا التقوى، وتصدق بها، وحكيم بن حزام ابن أخي خديجة بنت خويلد وابن عم الزبير بن العوام من أشراف قريش ووجوهها في الجاهلية والإسلام، وقد حج حكيم ومعه مائة بدنة

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٦٤