تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويقول بعض المؤرخين: إن تلك الدول التي أنشأتها العرب خارج أرضها، كدولة الرعاة في مصر، ودولتهم في أشور، ودولة الأنباط في سلع هي دول عربية، ودولة أكسيوم «اليكسوم» التي أنشأها اليمانيون في الشط المقابل لبلادهم هي عربية، ودولة تدمر وأصل القائمين بها عرب، ودولة الإيتوريين التي استولت على اللبنانين الشرقي والغربي، وامتدت إلى فينيقية وجعلت عين جر (عنجر) في البقاع عاصمتها الأولى، ثم طرابلس عاصمتها الثانية، كان أصل القائمين بها عربا من الجيدور وحوران؛ إن تلك الدول التي أنشأتها العرب كانت بفضل تفاهمهم

5

بالعربية مع اليهود والحبش والكلدان والأشوريين والفينيقيين؛ إذ كان عهد هذه اللغات قريبا بالتشعب فلم يكونوا يحتاجون إلى لغة أخرى للتفاهم مع تلك الأمم، بل كانت العربية تكفيهم في التخاطب، وليس بينها وبين اللغات الأخرى كبير فرق، وإن كان فكالفرق بين اللغتين النروجية والسويدية، أو بين الصربية والبلغارية، أو بين البرتقالية والإسبانية، أو بين العربية الفصحى وإحدى اللهجات المتعارفة اليوم.

وأهم ما حفظ بلاد العرب من اكتساح غيرها لها من الأمم في غابر الدهر، كون العرب أهل شدة وبأس، وأباة ضيم لا ينامون على الثأر، ويصبرون على شظف العيش ويتبلغون بميسوره، وليست الرفاهية من شأن أكثر المعمور من أرضهم؛ ولذلك خاب الفرس والرومان والفراعنة والحبشة يوم حاولوا أن يستولوا على اليمن والحجاز وما إليهما، مقدرين أن جزيرة العرب لا تساوي اكتساحها، وأن من الصعب إجراء الأحكام على أهلها؛ لبعد المسافات في فلوات لا أول لها ولا آخر. قال جويدي:

6

إن الرومان فتحوا جميع العالم المعروف، وحاولوا على عهد الإمبراطور أغسطس أن يستولوا على بلاد العرب، ففتحوا مأرب عاصمة سبأ، ثم ردوا عنها خائبين، وقال: إن أدينة الذي كان معروفا عند الرومان باسم أداناتوس

Adenatus

ويعد من أمبراطرتهم هو عربي الأصل وكذلك وهبة اللات، وقد نشأ من بلاد أخرجت أمثال خالد بن الوليد وعمرو بن العاص من قواد الإسلام العظام الذين قضوا على مملكة الساسانيين، وعلى جزء من مملكة بيزنطية.

العرب والتجارة

وأهم عوامل المدنية في جزيرة العرب كون أهلها عرفوا في كل العصور معاناة التجارة؛ ينقلون حاصلات الشرق إلى الغرب، وحاصلات الغرب إلى الشرق، وحاصلات بلادهم من مكان إلى آخر، واشتهروا بذلك حتى قال الجغرافي استرابون وكان بعد المسيح بقليل: كل عربي سمسار أو تاجر، ومن أجل هذا كانت معرفة العرب بالأقطار المجاورة لا غبار عليها، وكثيرا ما كانوا يقتنون الأملاك والضياع وينزلون البلاد المجاورة، يساكنون أهلها كأن تلك البلاد أجزاء متممة لبلادهم، على اختلاف بينهم وبين ساكنيها في الطبائع والألسن، وكانت

7

للعرب عشرة أسواق يجتمعون بها في تجاراتهم ويجتمع فيها سائر الناس، ويأمنون فيها على دمائهم وأموالهم؛ فمنها دومة الجندل والمشقر وهجر وصحار وريا والشحر وعدن وصنعاء والرابية بحضرموت وعكاظ بأعلى نجد، ينزلها قريش وسائر العرب وأكثر أهلها مضر، وبها كانت مفاخرة العرب وحمالاتهم

8

ومهادناتهم ثم سوق ذي المجاز، وكان في العرب قوم يستحلون المظالم إذا حضروا هذه الأسواق، فسموا المحلين، وكان فيهم من ينكر ذلك وينصب نفسه لنصرة المظلوم والمنع من سفك الدماء وارتكاب المنكر، فيسمون الذادة المحرمين.

واستولت قريش على التجارة في الجاهلية ترحل فيها رحلتين : رحلة الشتاء؛ نحو العباهلة من ملوك اليمن ونحو اليكسوم من أرض الحبشة، وأخرى: نحو الشام وبلاد الروم في الصيف، وإلى ذلك الإشارة في القرآن:

لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتاء والصيف ، والإيلاف شيء كان يحمله هاشم لرؤساء القبائل من الربح، ويجعل لهم متاعا مع متاعه، ويسوق إليهم إبلا مع إبله؛ ليكفيهم مؤنة الأسفار، ويكفي قريشا مؤنة الأعداء، فكان المقيم رابحا، والمسافر محظوظا، وهاشم هو الذي تنسب إليه غزة هاشم في الشام؛ لاتجاره فيها في الجاهلية وفيها مات، ثم جاء أبناؤه بعده ينسجون على منواله؛ فكان هاشم يؤلف إلى الشام، وعبد شمس إلى الحبشة، والمطلب إلى اليمن، ونوفل إلى فارس، يؤلفون الجوار بعضهم بعضا، ويجيرون قريشا بميرهم وكانوا يسمون المجيرين، وكانت تجارة قريش قبل هؤلاء العظماء لا تعدو مكة،

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٤٩