تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9

إنما يقدم عليهم الأعاجم بالسلع فيشترون منهم ويتبايعون فيما بينهم ويبيعون ممن حولهم من العرب، فجبر قريش بهؤلاء النفر الأربعة من بني عبد مناف، فنمت أموالهم واتسعت تجارتهم، فكان بنو عبد مناف يسمون لأجل ذلك المجيرين، والعرب تسميهم أقداح النضار؛ لطيب أحسابهم وكرم فعالهم، وبفضلهم أخذت قريش تضرب في البلاد إلى قيصر

10

بالروم والنجاشي بالحبشة والمقوقس بمصر وكسرى بالعراق تجعل من أرضهم متجرا لها؛ ذلك لأن قريشا زهدت منذ زمن بعيد في الغصوب فلم يبق لهم مكسبة سوى التجارة، وبالتجارة عرفوا ما جاورهم من البلاد والشعوب وصاروا بأجمعهم تجارا خلطاء.

أديان العرب

وكانت أديانهم متشعبة، بحسب البلاد التي يجاورونها والأرض التي ينتجعونها، وهم في أديانهم

11

على صنفين: الحمس

12

والحلة، فأما الحمس: فقريش كلها، وأما الحلة: فخزاعة لنزولها مكة ومجاورتها قريشا، وكانوا يشددون على أنفسهم في دينهم، فإذا نسكوا لم يسلئوا سمنا، ولا يجزون شعرا ولا ظفرا، ولا يمسون النساء ولا الطيب، ولا يأكلون لحما، أما الحلة فكانوا على العكس من ذلك، ينعمون بالطيبات كلها لا يبالون ما صنعوا، ثم دخل قوم في دين اليهود وفارقوا هذا الدين، ودخل آخرون في النصرانية، وتزندق منهم قوم فقالوا بالثنوية. وزعم اليعقوبي أن اليمن تهودت بأسرها، وتهود قوم من الأوس والخزرج، بعد خروجهم من اليمن لمجاورتهم خيبر وقريظة والنضير، وتهود قوم من بني الحارث بن كعب وقوم من غسان وقوم من جذام، «وكان بنجران بقايا من أهل دين عيسى على الإنجيل أهل فضل واستقامة.» وكان من العرب من يميل إلى الصابئة ويعتقد في أنواء المنازل اعتقاد المنجمين في السيارات، حتى لا يتحرك إلا بنوء من الأنواء، ويقول: مطرنا بنوء كذا، ومنهم من أنكر الخالق والبعث وقالوا: وما يهلكنا إلا الدهر، وهم الدهريون، وقال بعضهم: كانت المجوسية في تميم، والزندقة في قريش، أخذوها من الحيرة، ويقول ابن الأثير:

13

إن ديار تميم كانت تجاور بلاد الفرس وهم تحت أيديهم، والمجوسية في الفرس، على أن العرب قبل الإسلام كان كثير منهم قد تنصر، كتغلب وبعض شيبان وغسان، وكان منهم من صار مجوسيا وهم قليل، وأما اليهودية فكانت باليمن، وكان من العرب صنف اعترفوا بالخالق وأنكروا البعث، وصنف عبدوا الأصنام، وأصنامهم مختصة بالقبائل، ومنهم من يعبد الجن، ومنهم من يعبد الملائكة وكانوا يحجون البيت ويعتمرون ويحرمون ويطوفون ويسعون

14

ويقفون المواقف كلها ويرمون الحجارة. وللعرب أصنام؛

15

فكان سواع لهذيل، وود لكلب، ويغوث لمذحج وقبائل من اليمن، وكان بدومة الجندل، والنسر لذي كلاع بأرض حمير، ويعوق لهمدان، واللات لثقيف بالطائف، والعزى لقريش وجميع بني كنانة، ومناة للأوس والخزرج وغسان، وهبل كان في الكعبة وكان أعظم أصنامهم، وإساف ونائلة كانا على الصفا والمروة، وسعد لبني ملكان بن كنانة، وكان عدد الأصنام في الحرم لما فتح الرسول مكة بضع مئات كسرها وأصحابه. قال أبو عثمان النهدي:

16

كنا في الجاهلية نعبد صنما يقال له: يغوث، وكان صنما من رصاص لقضاعة تمثال امرأة، وعبدت ذا الخلصة، وكنا نعبد حجرا ونحمله معنا فإذا رأينا أحسن منه ألقيناه وعبدنا الثاني، وإذا سقط الحجر عن البعير قلنا: سقط إلهكم فالتمسوا حجرا.

ويؤخذ من هذا أنه كان للعرب في الجاهلية المصور والمثال؛ فصوروا جدران الكعبة وملأوها بتماثيل أربابهم، ومن جملة ما كان فيها صورة عيسى وأمه عليهما السلام بقيتا حتى رآهما من أسلم من نصارى غسان، وكان على أحد عمد الكعبة تمثال مريم وفي حجرها ابنها مزوقا،

17

وقال ابن الكلبي: إنه كان لقضاعة ولخم وجذام وعاملة وغطفان صنم في مشارف الشام يقال له: الأقيصر، كانوا يحجونه ويحلقون رءوسهم عنده، فكان كلما حلق رجل منهم رأسه ألقى مع كل شعرة قرة،

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٥٠