تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال: وينبغي أن نقدر في التصوير والنحت اليوناني والبيزنطي أن تمثيل الصورة البشرية كانت تمثيل الصورة الإلهية، سواء كانت صورة المسيح أو أبولون أو غيرها من تماثيل الوثنيين، ولا يفوتنا ذكر من قاموا بإنكار تكريم الصور البيزنطية، وأن فكرة المولى لم تنشأ في مصر ولا في كلدة بل نشأت في اليهودية، ثم غرست في الإسلام أي غرس، وما فكر اليهود قط أن يصوروا يهوه، ولم يجوز المسلمون أيضا تصوير الله، وصور النصارى المولى فقط، ومثلوه في لحية بيضاء وأجلسوه في السحاب، والمظنون أن الهندسة العربية البديعة كانت غريبة عن الماضي لا صلة بينها وبين القبور والمعابد المصرية، ولا بين قصور الأخمانيين، ولا مع الهندسة البيزنطية التي نشأت منها بل هي إبداع جديد. ا.ه.

هذا، وقد ثبت أن الرسول

76

أقر نقود العرب في الجاهلية، وكانت ترد من الممالك الأخرى وهي مصورة، وضرب عمر الدراهم على نقش الكسروية وشكلها وبأعيانها، وضرب معاوية دنانير عليها تمثال متقلد سيفا، واستعمل زيد بن خالد الصحابي الستر الذي فيه صور ولم ينكر الناس عمله، وكانت تأتيهم من اليمن ثياب وستور وحجال فيها تصاوير، واستعمل يسار بن نمير مولى عمر بن الخطاب وخازنه الصور في داره، وصنعت الصور في دار مروان بن الحكم وسعيد بن العاص وهما من التابعين، فلم يحرم الإسلام إذا صناعة نافعة في كثير من العلوم والأعمال، ويحتاج إليها في حفظ الأمن وفنون القتال، وكان تصوير الأشخاص بمنزلة تصوير النبات والشجر والحيوان في المصنوعات، وقد أبقت الأيام في دور الكتب والآثار كتبا كثيرة مصورة من عهد العباسيين وبعدهم، ويقول محمد عبده: «ويغلب على ظني أن الشريعة الإسلامية أبعد من أن تحرم وسيلة من أفضل وسائل العلم، بعد تحقيق أنه لا خطر فيها على الدين، لا من جهة العقيدة ولا من جهة العمل.» وفي التاريخ العام أن الإسلام حظر تمثيل الصور الآدمية، ولكن هذا الحظر لم يمنع الخلفاء من أن يكون في قصورهم صور وتماثيل، ومع هذا لم يخلف العرب في النقش ولا في التصوير آثارا خارقة للعادة. ا.ه.

| العرب قبل الإسلام

طبيعة بلاد العرب

لا نحسن تصور حالة العرب في الإسلام إبان عهد حضارتهم إلا إذا ألقينا نظرة عجلى على الثابت من تاريخهم في الجاهلية، وعلى آثارهم وعلمهم وثروتهم؛ ولذلك يتقاضانا الوصول إلى هذه النتيجة أن ندرس حالتهم في معظم مظاهرها، لنتدرج بهم من جزيرتهم إلى حيث درجوا من البلاد التي حلوا فيها، وتمثلوا حضارة القدماء، وانقلب في الجزيرة بالإسلام طورهم الديني والأخلاقي، كما انقلب في البلاد المفتتحة طورهم المدني والاجتماعي.

من الثابت أن طبيعة بلاد العرب تختلف باختلاف بعدها وقربها من البحر وانخفاضها وارتفاعها عنه؛ فجبالها ليست كسهولها، وأواسطها تختلف عن أطرافها، فليست الجزيرة إذا نسقا واحدا بخصبها واعتدالها، وفي الجزيرة واحات فيها نخيل وأعناب وبقول وحبوب، وفي جنوبها وهي اليمن بلاد عالية ومنخفضة فيها الحرارة والبرودة، وفيها المياه وإن قل الجاري منها، وتكثر أمطارها وإمراعها، ويقل الخصب في الحجاز اللهم إلا في بعض أنحائه كالطائف. واليمن أعمر الأقاليم العربية ولذلك دعيت بالعربية السعيدة، وعهدت لها مدنية قديمة، وقامت فيها دول؛ لأن سهولها وجبالها ممرعة، وفيها من الحاصلات ما لا يوجد في غيرها كالطيب والورس والكندر والعصب والشب واللبان والعقيق وخشب البنك والمعرق من الجزع.

قال ابن الفقيه:

1

وباليمن من أنواع الخصب وغرائب الثمر وظرائف الشجر؛ ما يستصغر معه ما ينبت في بلاد الأكاسرة والقياصرة، وقد تفاخرت الروم وفارس بالبنيان وتنافست فيه، فعجزوا عن مثل غمدان ومأرب وحضرموت وقصر مسعود وسد لقمان وسلمين وصرواح ومرواح وبينون وهندة وهنيدة وفلثوم بريدة. ا.ه.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٤٧