71
برواقه سماه بيت الذهب، طلى حيطانه كلها بالذهب المجال باللازورد المعمول في أحسن نقش وأظرف تفصيل، وجعل فيه على مقدار قامة ونصف صورا في حيطانه بارزة من خشب معمولة على صورته وصورة حظاياه، والمغنيات اللاتي يغنينه، بأحسن تصوير وأبهج تزويق، وجعل على رؤوسهن الأكاليل من الذهب الخالص الإبريز الرزين، والكوادن
72
المرصعة بأصناف الجواهر، وفي آذانها الأجراس الثقال الوزن المحكمة الصنعة وهي مسمرة في الحيطان ولونت أجسامها بأصناف أشباه الثياب من الأصباغ العجيبة.
ثم إننا لو رجعنا إلى تاريخ التصوير والنقش عند الغربيين أنفسهم لما رأيناهما بلغا في عصر من عصور الغرب الدرجة التي وصلا إليها الآن بعد أن ارتقى كل فرع من فروع الحضارة، ويعذر العقل الغربي إذا تعذر عليه أن يقبل كيف تقوم مدنية بغير تماثيل وتصاوير وتهاويل، وقد قبلت النصرانية بعض ما كان في الوثنية من العادات والأوضاع على نحو ما فعل الإسلام؛ فأقر أمورا بل أحكاما كانت من مألوف الجاهلية، لم ير فيها كبير ضرر فسكت عنها،
73
ولكن شدد الإسلام في القضاء على الأصنام؛ لأن التوحيد أول شرط في الهداية الإسلامية، ولا توحيد مع أصنام وأوثان، خصوصا في الصدر الأول.
ومن الإنصاف أن يعتبر القائلون بقصور العرب في هذا الشأن بارتقاء أصناف العلوم والفنون مع الزمن، وأن العقل البشري يرقى الجيل بعد الجيل، ويكتب له في آخر الأمر الإبداع، وهل من العدل أن نتطلب من مدنية قامت قبل ثلاثة عشر قرنا ما نتطلبه من حضارة قامت منذ أربعة قرون، تحمل معها مدنيات الأمم الغابرة بأسرها؟ ولعمري هل يضر المدنية العربية أن لا يعهد فيها الكهرباء والبخار، ولا التمثيل والسينما؟ وهل يسقط قدرها قصورها بعض الشيء في إقامة التماثيل واصطناع التصاوير والتزاويق؟ وهذه أمم الغرب على كثرتها نجد بينها لعهدنا تفاوتا في الغرام بالنحت والنقش والتصوير، مع أن كل واحدة منها تسير على ما سارت عليه جارتها، ولا تفتأ تقتبس مما عندها كل جديد؛ لاتحادهما كثيرا في الدين والبيئة.
إن العلم كما يقول ريشه:
74
يسير إلى الأمام بسرعة تحير العقول، ومع هذا لم يبرح فتيا غض الإهاب، وعلى ما كتب لطاليس وأرخميدس من النبوغ لم يعرفا شيئا مما يعلم اليوم في المدرسة الابتدائية، وأجهل شاب حاز الشهادة الثانوية يحسن أمورا كثيرة كان جاليله يجهلها بالمرة، ولم يمض من عهد فرنكلين إلى إنشتين مائة وخمسون سنة كاملة، ولكم تقدم العلم في هذه الحقبة، ولكم تبدلت التصورات والأفكار، ولم يكن يعرف علم مطمورات الأرض من النبات وغيره (باليونتولوجيا)، ولا علم الجراثيم ولا الحاكي ولا الطيران ولا السكك الحديدية ولا الحل الطيفي؛ فعمر الإنسانية العلمي لا يقدر له أكثر من مائة وخمسين سنة، وهي أربعة أجيال، نرى وأنت ترى، أن هذا العمر غير طويل. ا.ه.
وقال سنيوبوس:
75
لم يأت زمن في تاريخ البشر تبدلت فيه الأسباب المادية في الحياة بسرعة تبدلها في القرن التاسع عشر في أوروبا، وهذا الانقلاب هو نتيجة الاختراعات التي قامت بالتجربة فقط، أو بتطبيق أساليب العلوم العملية، وكثير منها ينتهي إلى الثلث الأخير من القرن الثامن عشر، بيد أن نتائجها العملية لم يشعر بها في جمهور الشعوب في أوروبا قبل أواخر حرب الإمبراطورية الفرنسية، فتغير الحياة المادية لم يبدأ إلا بعد سنة 1814، فهو أعظم حادث عصري بل هو حادث دولي؛ لأن تلك الاختراعات أوجدتها عقول العلماء والمخترعين من جميع الأمم، فهي مشتركة بينهم بحيث يتعذر كل حين تمييز من له الحظ الأوفر من الأمم من هذه الخدمة؛ لانتقالها من أمة إلى أخرى مفيدة لها كلها على السواء. ا.ه.
وعلى هذا فليعذرنا الذين طالما أوجعوا رءوسنا، وحاولوا إذلال نفوسنا، لقصور أجدادنا في التصوير، وما القصور في الحقيقة إلا قصور الزمن، وربما كنا فقنا فيه، لو ظللنا على تعهد مدنيتنا المسكينة، ولقد ذكر سيديليو أن فني النقش والحفر كانا راقيين عند عرب الجاهلية، وقد صنعوا تصاوير البشر وتماثيل الأرباب، حتى جاء القرآن بمنعهما فوقفا عن التقدم، وجاء العباسيون فاشتغلوا بهما وتقدموا فيهما اشتغالهم بفني الموسيقى والبناء، وقال جوتيه: إن محصول المدنية العربية في العلم على اختلاف أنواعه يفوق محصول المدنية اليونانية كثيرا؛ ذلك لأن العلم العربي كانت له أصول قديمة، أما فيما يتعلق بالفنون والآداب فإن دائرة اليونان أوسع من دائرة العرب بكثير، فقد كان قدماء المصريين نقاشين مبدعين، وترك سكان بين النهرين صورا نصفية جميلة، أما خلفاؤهم فليس لهم تصاوير ولا تماثيل، ما خلا تزييناتهم الهندسية وهذا نقص غريب، فقد رأوا أمام أعينهم نحو ألف سنة النحت اليوناني والنقش والتصوير البيزنطي فتخلوا عن كل ذلك دفعة واحدة.