يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون . ا. ه.»
وبعد، فهل مضرة محسوسة أكثر ظهورا في هذا العصر من تأثير الربا في مجموع الهيئة البشرية؟ وقد رأينا من أهم العلل في تقلقل الحالة الاقتصادية في العالم التطوح في الاستدانة والإدانة على طريقة توسعت حتى ظن بعض قصار النظر أن هذه الثروات هي حقيقة ملموسة، مع أن الأيام أثبتت أنها كانت ثروات موهومة أو سرابا بقيعة
65
حسبها الظمآن ماء، وما وقع بعد الحرب العالمية من ضروب الإفلاس في المصارف عند كبار الأمم المتمدنة يقوم أقوى دليل على تخريب العمران بهذه الذريعة الكاذبة.
التصوير والنقش
يقولون: إن حظر الشريعة الإسلامية استعمال الصور المجسمة كان من دواعي تقهقر المسلمين أيضا، ويعاب ذلك على الإسلام؛ لأن التصوير من أهم أدوات الثقافة، وهذه من المسائل الدقيقة في المدنية الإسلامية تحتاج إلى بسط طويل لا تتسع لها هذه الصفحات القليلة، ولعل نكتة النكات في هذه المغالطة كون بعضهم يكتفون من الأمور بظواهرها، دون التعمق في أسرارها وأصولها، فيرسلون أحكامهم عفو الساعة، ويستنتجون استنتاجات ضعيفة، ناسين أن الإسلام الداعي إلى التوحيد، والعمل على إقصاء العرب عن عبادة الأوثان قد منع التماثيل، وقضى على الأوثان لأول عهده؛ مخافة أن يساق المسلمون بالتقليد إلى عبادتها، على ما كان العرب في الجاهلية، فالسبب كان دينيا محضا لأول الأمر، وبولغ في الحظر سدا للذريعة، والدين غض، وعهد العرب بالأصنام قريب.
لم تهتم الشعوب السامية كثيرا بالتصوير والنقش؛ لبعد ذلك عن طبيعتها وطبيعة أديانها؛ وهذا دين موسى قد حرم التصوير ونحت التماثيل في التوراة، وفن التصوير
66
والنحت عند اليهود عبارة عن نحت الحجر وتطريق المعادن والنقش على الخشب، وقد جاء في سفر الخروج (الإصحاح العشرون) «لا تصنع لك تمثالا منحوتا ولا صورة ما مما في السماء من فوق وما في الأرض من تحت، وما في الماء من تحت الأرض.» ما يقضي بالحيلولة دون كل ارتقاء في هذا الباب؛ ولذلك كان التصوير عند أبناء إسرائيل في حالة ابتدائية ساذجة.
وليس التصوير والنقش مما أولع به العرب كثيرا؛ لبعدهما عن طبيعة عنصرهم، اللهم إلا إذا صح ما نقل عن عرب اليمن على عهد ملوك حمير والتبابعة، وما كان من التماثيل في الكعبة، وما روي من أنه كان لهم في الحجاز أصنام جميلة كأجمل التماثيل،
67
وأفادنا التاريخ مع هذا أن التصوير ونحت التماثيل والنقش كانت معروفة في كل دور من أدوار الدول الإسلامية
68
السالفة، ولكن بقيود قليلة غير ثقيلة. وقد عهد التصوير والنقش عند الأمويين في الشرق، والأمويين في الغرب، وعند العباسيين في العراق وفارس، والفاطميين في مصر، وفي كثير من الدول الخالفة من غير حرج ولا نكير، وكلما كانوا يأمنون غائلة السجود للأصنام، ويبتعدون عن عادات الجاهلية الأولى، كانوا يتسامحون بوضع الصور والتماثيل في القصور والدور والحدائق، بيد أن التصوير والنحت لم يكونا على حصة موفورة عندهم، كما هو الحال في الدول الغربية الحديثة.
وإن ما ظهر في العهد الأخير في الجدار الداخلي الغربي من الجامع الأموي بدمشق من الفسيفساء العربية التي صورت فيها الأشجار والأمصار مثالا من ولوع القوم منذ القرن الأول بهذه التزاويق، وعثروا
69
في «سر من رأى» وهي من بناء المعتصم العباسي على غرف وأبهاء زينت جدرانها بتصاوير شرقية بين بارزة وغائرة في الجص، وصور ملونة للآدميين وغيرهم، وصور المتوكل في قصره في سامرة بيعة فيها رهبان وأحسنها صورة شهار
70
البيعة، أما القصور المصورة في الأندلس فيطول ذكرها، ومنها الزهراء أو مدينة الزهراء التي بناها عبد الرحمن الناصر على اسم جاريته، ونقش صورتها على بابها، وكان في كل دور من المألوف تصوير جدران الحمامات في بغداد ودمشق، وعمل خمارويه في القرن الثالث مجلسا في القاهرة