تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التعليقة السابعة عشرة (ج1، ص322)

لما وضعت إسبانيا حمايتها على الشواطئ الإفريقية في القرن العاشر من الهجرة، وتدخلت في فض بعض القلاقل الداخلية في تونس، خرب عمرانها وتبدد سكانها بالهجرة والقتل، فانقرض نحو ثلث سكانها، وأصبح شطر كبير من معالمها أطلالا دوارس، وأتى الإسبانيون على العمران الذي كان لتونس زمن الدولة الحفصية، ولم تعد إلى البلاد حياتها إلا بنزول جاليات من الأندلس ممن فروا من الإسبان، لما استولوا على بلادهم، فعمروا المدن والقرى، وأحيوا الزراعة والصناعات. وفي كتاب شهيرات النساء لحسن حسني عبد الوهاب أنه لم يمض غير زمن يسير حتى زهت حاضرة تونس بالفنون الجميلة، مثل الهندسة والنقش والموسيقى والصناعات المختلفة، وهكذا كان الأندلسيون في كل بلد نزلوه في مراكش وشمالي إفريقية بأسرها.

التعليقة الثامنة عشرة (ج1، ص329)

قال جوليفه كستلو: تشبه الطريقة التي جرى عليها الإنجليز في استعمارهم، الطريقة التي سارت عليها حكومات أوروبا المختلفة، وطريقتهم الاعتماد على قوة الجند التي لا تقاوم، وامتهان حقوق الوطنيين. ولما كان الاستعمار البريطاني قائما على الثبات والدءوب أكثر من استعمار الممالك الأخرى، جاءت منه فوائد محسوسة مثمرة، وغدت المملكة الاستعمارية الإنجليزية منبع غنى فائض للبلاد الإنجليزية، والهند وأوستراليا أجمل أزهار ذاك التاج. بيد أن قوة المستعمرات ليست اليوم غير صورة ظاهرة، وتوشك على ما يظهر أن تقطع صلتها بإنجلترا، فتتمزق قوة إنجلترا النائية عن أوروبا، وتلك هي الرجعة العادلة في الأشياء، هذا إذا كان في التاريخ عدل؛ ذلك لأن الجرائم التي احتقبتها إنجلترا في الهند والترنسفال وفي أيرلاندا، سيكون منها رد فعل طبيعي، ينال فيه الفاعلون جزاء ما قدمته أيديهم.

وقال أيضا: إن عهد السياحات الكبرى بدأ في القرن الخامس عشر، قامت بها البرتقال أولا على يد فاسكو دي جاما، ثم إسبانيا على يد خريستوف كولمبس والبوكرك وأمريك فسبوس، بإيحاء ماركو بولو، وبفضل المعلومات التي ثقفوها بواسطة العرب في الجغرافيا والفلك. وقد عرف العرب كروية الأرض على النحو الذي قال به الأقدمون، خلافا لما كان يعتقده الأوروبيون. وما عتم الإسبان أن أسسوا مملكة استعمارية حقيقية في أميركا، بفتحهم المكسيك وبيرو فتحا سريعا سداه ولحمته التوحش، وكانت حضارة الأستيك والإينكاس، سكان هاتين المملكتين، سامية في ذاتها، بل أرقى من حضارة من أخضعوهم لسلطانهم، ممن لم تكن لهم غاية سوى الاستيلاء على المدن والكفور في تلك الأرجاء الواسعة، وما الفتح الإسباني في الواقع إلا سلسلة طويلة من الفظائع والفجائع، وحوادث مكررة من الجنايات والسرقات. وقد قضى الإسبان على الوطنيين قضاء مبرما، وجلبوا من إفريقية عددا عظيما من السود، فكان ذلك الأصل في استرقاق الزنوج الشنيع، وعلى أثر الإسبانيين سارت جميع شعوب أوروبا، وما انتهى دور الرق إلا في أواخر القرن التاسع عشر، وكان بالطبع من هذه الحملات الواسعة تبدل اقتصادي وعلمي عظيم، فانهالت المعادن الثمينة من بيرو على إسبانيا والبرتقال، واغتنى بها الملوك خاصة، حتى استطاعوا أن يزيدوا في جيوشهم، ويوسعوا سلطتهم السياسية، كما اغتنت الطبقة الوسطى من السوقة والتجار، وارتفعت أسعار الحاجيات؛ لتكاثر الذهب والفضة.

التعليقة التاسعة عشرة (ج2، ص19)

يقول الفارابي في إحصاء العلوم: إن صناعة الكلام يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء والأفعال المحدودة التي صرح بها واضع الملة، وتزييف كل ما خالفها بالأقاويل، وهذا ينقسم جزءين أيضا: جزء في الآراء وجزء في الأفعال، وهي غير الفقه؛ لأن الفقه يأخذ الآراء والأفعال التي صرح بها واضع الملة مسلمة، ويجعله أصولا فيستنبط منها الأشياء اللازمة عنها، والمتكلم ينصر الأشياء التي يستعملها الفقيه أصولا من غير أن يستنبط عنها أشياء أخر، فإذا اتفق أن يكون للإنسان منا قدرة على الأمرين جميعا فهو فقيه متكلم، فيكون لنصرته لها بما هو متكلم، واستنباطه عنها بما هو فيه فقيه. وعلم الكلام يسمى علم أصول الدين، وعلم التوحيد والصفات، وكان أبو حنيفة يسميه «الفقيه الأكبر».

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٩٦