تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم ذكر ما تفرد به العرب في خدمة الحضارة، ومما قال: إن اختراعهم الورق دعا إلى استكثارهم من خزائن الكتب، وهي وحدها دليل على تقدمهم في سبيل الحضارة، وأنه لا وجه للتشبيه بين غارات العرب وغارات برابرة الجرمان. وذكر ما كان من العلائق التجارية بين بلاد المسلمين ومرسيلية منذ الحروب الصليبية. وقال: إنه كان فيها جامع للمسلمين يؤدون فيه فرائضهم منذ الزمن الأطول، دلت على ذلك المعاهدات التي عقدت بين فرنسا ودول الإسلام، وأن مرسيلية مدينة بكثير من حضارتها ونجاحها؛ لاتجارها مع العرب منذ القرن العاشر. قال: لو كانت العرب غلبت شارل مارتيل لكانوا تمثلوا تمثلا حسنا في الأرض الفرنسية أكثر من السلتيين في الأرض الليغورية، فإن مقامهم الطويل في إسبانيا شاهد بذلك، وكذلك يدل ما أبقوا من الآثار إلى أي درجة كانت حضارتهم متفوقة على حضارتنا إذ ذاك.

التعليقة التاسعة (ج1، ص228)

كتب داوسون في كتابه أصول أوروبا والمدنية الأوربية

Christopher Dawson: Les origines de l’Europe et de la civilisation Européenne

كانت الحضارة العباسية، ولسانها العربية ودينها الإسلام، مكملة بمظهرها العقلي للحضارات القديمة التي مثلتها مملكة العباسيين الواسعة، ويصح ذلك على الخصوص بما نشأ من الفلسفة العربية والعلم العربي اللذين ارتقيا في ذاك العصر، وأثرا تأثيرا عظيما في أهل القرون الوسطى عامة. ولقد كانت الحركة العلمية في العالم في أكثر من أربعة قرون بأيدي الشعوب الإسلامية، وعن العرب أخذت أوروبا الغربية أصولها العلمية، ويرجع العمل العلمي والفلسفي في العالم الإسلامي إلى العرب وإلى الإسلام نفسه، هذا وإن لم يكن فيه إبداع جديد، ولم يتوفر على غير إكمال العلم اليوناني، وقد انضم إلى الثقافة الإسلامية أشياء بفضل رجال كانوا من أصول أرامية وفارسية، وإذا استثنينا الكندي فيلسوف العرب فقط نجد حظ العرب قليلا من هذه الحركة. وقد أثمرت هذه الحضارة في تخوم البلاد الإسلامية، أثمرت في آسيا الوسطى أمثال الفارابي وابن سينا والبيروني، وفي إسبانيا والغرب الأقصى ابن رشد وابن طفيل.

وقال: إن النصارى السريان في بابل والصابئة في حران، كانوا واسطة لنقل الثقافة اليونانية إلى الثقافة الإسلامية، وإن علماء البصرة أخذوا منطق أرسطو عنهم، وإن هذا الاقتباس عن اليونان كان قليلا لا شأن له، وإن العرب لم يأخذوا شيئا في الشعر ولا اقتبسوا التمثيل، ومع هذا ترك البيان اليوناني أثرا ظاهرا في الآداب العربية، ولا سيما في كتابات الجاحظ، أكبر منشئ وأعظم أستاذ في القرن التاسع، وعظم النفع بما أبقته الثقافة اليونانية في العلوم والفلسفة، وتلقى المسلمون باليمين، ما كانت مدارس آثينا والإسكندرية قد تركته منذ القرن السادس، وكانت آراؤهم في الفلسفة كآراء فلاسفة اليونان؛ أي التوفيق بين الفلسفة الأرسطاطاليسية والأفلاطونية الجديدة، ومزج كل منهما بالأخرى، أخذوا أصول هذا التحليل فحققوه بقوة فكر ونزاهة علمية، وكان عملهم فيها من أتم وأحكم ما وفقت إليه الفلسفة في عصورها الماضية، ونجح علماء العرب بتنظيم الفلسفة فما كانت عندهم مجموعة معلومات مختصرة مركومة؛ بل جعلوا لها قواعد تامة لا تتجزأ من مجموعها الأسطقسات أو العناصر، واحتفظت الحضارة الإسلامية بتفوقها خلال القرون الوسطى في الشرق وفي أوروبا الغربية. وبينا كانت النصرانية سائرة إلى الاضمحلال بما انهال عليها من غارات العرب والفيكنغ

Vikings

والمجر، كانت الحواضر الإسلامية على شواطئ البحر المتوسط الغربي تدخل في أعظم طور من أطوار نهضتها. قال: إنا اعتدنا اعتبار مدنيتنا كأنها تألفت من جوهر الحضارة الغربية، حتى صعب علينا أن نعتقد بإنه أتى زمن وأهم قطر متحضر في أوروبا الغربية لم يكن سوى ولاية ذات مدنية غريبة عنها، وأن البحر المتوسط مهد حضارتنا، كان مهددا بأن يصبح بحرا عربيا، وكادت النصرانية في الغرب والإسلام في الشرق يكونان شيئا واحدا في زمن كانت فيه آسيا الصغرى نصرانية، وكانت إسبانيا والبرتقال وصقلية تؤوي حضارة إسلامية زاهرة. هكذا كانت الحال في القرن العاشر، وقد فعلت هذه الحضارة فعلها العظيم في ترقي العالم في القرون الوسطى، فانتشرت الثقافة الغربية في ظل حضارة الإسلام، واستطاعت النصرانية في قرونها الوسطى بفضل هذه الحضارة أن تأخذ طرفا من التراث العلمي والفلسفة اليونانية، وما كان ذلك قبل القرن الثالث عشر، ولم يتم إلا عقبى الحروب الصليبية، وبعد فاجعة المغول العظمى تمكنت الحضارة النصرانية الغربية من بلوغ مكانة مساوية بعض المساواة للمدنية الإسلامية، وبقيت مع هذا متأثرة بالمؤثرات الشرقية.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٩٣