كان ألفونسو التاسع ملك قشتالة وليون (1252-1284م) أعظم علماء النصرانية في إسبانيا، استدعى كثيرا من اليهود؛ ليترجموا له الكتب العربية، وكتب بنفسه شيئا كثيرا من النثر الإسباني تجلى فيه الروح العربي، (عن مقالات من تراث الإسلام أو أثر الإسلام في المدنية الحديثة، عربها عن الإنجليزية مأمون عبد السلام، ونشرها في جريدة البلاغ المصرية في 14 من ربيع الثاني 1353 وما بعده).
ويقول رينو في تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط: إن المسلمين في مدن الأندلس، كانوا يعاملون النصارى بالحسنى، كما أن النصارى كانوا يراعون شعور المسلمين، فيختنون أولادهم ولا يأكلون لحم الخنزير. وقال: إن النهضة الحقيقية في أوروبا لم تبدأ إلا منذ القرن الثاني عشر؛ أي منذ زحف أهل الغرب لقتال أهل الشرق، ووقفت النصرانية والإسلام في الصراع وجها لوجه، فوقع الاحتكاك بين المسلمين والنصارى، وأفاق الفرنسيس والإنجليز والألمان من رقدتهم، ونفضوا عنهم غبار الخمول، ووجدوا ضرورة الاشتراك في المدنية الإسلامية، وكان علم اللغة اليونانية قد درس وصار العلم اليوناني غير معروف إلا عند العرب، فأخذ النصارى من فرنسا وجوارها يؤمون إسبانيا لأجل ترجمة التآليف العربية المنقولة عن اليونان.
قال رينو: وبالجملة، فقد كان العرب لذلك العهد هم الأمثلة العليا والأقيسة البديعة في الشجاعة والشهامة، وعزة النفس، ومكارم الأخلاق، والعفو عند المقدرة، وقري الضيف، تشهد بذلك وقائع ونوادر كثيرة، منها ما رواه بعض مؤرخي الإسبانيول من أنه في سنة 890 أراد ملك أشتورية أذفونس الكبير أن ينتدب مؤدبا لابنه وولي عهده، فاستدعى اثنين من مسلمي قرطبة حرصا على تهذيبه؛ إذ لم يجد في النصارى إذ ذاك كفؤا لهذه المهمة.
التعليقة الثامنة (ج1، ص224)
ذكر رينه مارسيال في كتابه العنصر الفرنسي
René Martial: La race française ، أن النورمانيين الذين امتزجوا بالعنصر الفرنسي قد باضوا وفرخوا في إنجلترا، وساعدوا على عمران تلك البلاد، وكانوا أبدا مخاصمين للفرنسيس وأعداء لهم ومنافسين. أما العرب فكانوا على العكس من ذلك، فإنهم لم يتركوا في غاليا وفي فرنسا غير حضارتهم، وعددا كبيرا من الخلاسيين بدون أن ينشأ منهم اختلاف جنسي أو عنصري، واليوم وقد أصبح شمالي إفريقية جزءا من فرنسا، أخذ الناس يدركون أحسن من ذي قبل أن الطابع الذي أبقاه العرب الفاتحون كان عظيما، وأنهم شاركوا مشاركة عظيمة في نشوء التهذيب العقلي والفنون في أوروبا. لما ضرب العرب في سنة 711 الويزغوت في وقعة شريش أصبحوا سادة إسبانيا، ودخلوا بلاد غاليا من أقليم نربونة، وكان اسمها إذ ذاك سبتمانيا، وفي سنة 721 حال «أود دوج أكيتين» دون تقدم العرب في وقعة طلوزة، وكان هاجمه العرب من كل جهة، وبعد أن هاجموا الأكيتين تقدموا في سمت الشمال، حتى بلغوا مدينة تور فأنقذ شارل مارتيل هذه المدينة، وقضى على العرب قضاء مبرما في وقعة بواتيه (أكتوبر 732م). وترك العرب من آثار حضارتهم ما لم تتركه الشعوب الجرمانية؛ لتفوقهم في الحضارة إذ ذاك. ولما كان العرب مؤرخين وشعراء كان من إبقائهم لنا قصة ألف ليلة وليلة أجمل مصدر استقى منه أدباء الغرب ومتفننوه، ونفعت هذه القصص العلماء من عدة وجوه، والقرآن نفسه كتاب عظيم من الطراز الأول، حوى الدين والأدب والشرع، وما زال تأثيره في حياة العرب ولا يزال، بحيث لا يستطاع فهم روح المسلمين وفكرهم إذا لم يدرس ويقرأ في ترجمة صحيحة؛ لأن كثيرا من الترجمات كان رديئا وأكثر منها التفاسير، وأرى أن قلائل فينا عرفوا العرب معرفة حقيقية، ولا أستطيع أن أدخل في هذا العدد القليل غير المارشال ليوتي والأستاذين غوتيه وريكاس.