Gohan Hjort: La crise de la vérité
أثناء كلامه على ما قامت به النصرانية من تخريب أوروبا، لما أرادت نشرها فيها وقضائها على أناس من سكانها كانوا أقل من المهاجمين قوة، إنه فرغت أرجاء كثيرة من سكانها على حين كانوا ينقلون ملايين من الزنوج من إفريقية إلى أميركا؛ ليكون حكمهم حكم الحيوانات الأهلية، فقضت عليهم الأمراض والغول التي جاءوهم بها من أوروبا، وطوردوا وأبيدوا وأكرهوا على أعمال قاسية، وقرضوا لهم الحيوانات التي كانوا يغتذون بها. وبعد أن ذكر ما أبقته حرب الثلاثين سنة من الفجائع في أصقاع واسعة من بلاد ألمانيا، وذكر ظلم القضاء ولا سيما ديوان التحقيق الديني، ودعاوى السحر، وكل ما يمكن الخرافات اختراعه. قال: كانت السجون بؤرة الفظائع، ومغارات الشقاء والظلم، وكان اليتامى إذا فقدوا معينهم يموتون أو يعيشون عشيا شقيا، ولطالما رأت الشمس عصابات من جياع الأطفال هلك آباؤهم في الحروب، وهم هائمون على وجوههم في الحقول، يغتذون بالأعشاب والجذوع.
التعليقة السابعة (ج1، ص211)
لم يتمكن أهل إسبانيا من أن يحولوا دون تغلغل النفوذ الإسلامي في صميم حياتهم، حتى إن ممالك إسبانيا النصرانية استعملت النقود الإسلامية أربعة قرون، واستحضر كثير من ملوك قشتالة وأرجون جما غفيرا من علماء المسلمين واليهود، وقدموهم في مجالسهم، ورفعوا من أقدارهم، كما استخدم كثير من ملوكهم مهندسين وبنائين من المسلمين، وفتحوا أبواب مجالسهم لكثير من الموسيقاريين والشعراء من المسلمين؛ للتلذذ بطيب أنغامهم وحلو حديثهم، ومات روح التسامح هذا بالقضاء على الإسلام في إسبانيا، وحل محله روح خبيث ملؤه التعصب الأعمى، الذي أشعل ناره القساوسة الكاثوليك؛ لتصبح إسبانيا أسيرة رقهم وعبوديتهم.
وكان المسلمون في الأندلس يفضلون أبدا أن تكون أمهات أولادهم من الأسر النصرانية العريقة في المجد والحسب، فأخذ الدم العربي بطبيعة الحال يقل في عروقهم مع مرور الزمن؛ ولذلك كان من الخطأ أن نقول: إن كل مسلمي إسبانيا عرب، أو إن كل نصاراها رومانيون أو قوط، كانت اللغة العربية في إسبانيا اللغة الرسمية، ولغة الرومان لغة دارجة يتكلم بها الجميع، العرب والمستعربون، وهي عامة في جماع طبقات قرطبة حتى في المحاكم، وفي القصور الملكية، الفصحى لغة العلماء والأدباء، والعربية العامة لغة الحكومة والإدارة، وهناك لغة رومانية اشتقت من اللاتينية، وهي التي تولدت منها اللغة الإسبانية.
ومما زاد في انتشار الحضارة الإسلامية في الأقطار الإسبانية الشمالية النصرانية، ومنها انتشرت في أرجاء أوروبا، هجرة المستعمرين، فرارا من الاضطهاد الذي لحقهم، على عهد دولتي البربر المرابطين والموحدين، خصوصا في الدور الذي انقضى بين سنة 1090 وسنة 1144م، وهذه أول مرة في تاريخ الأندلس نشأ فيها تعصب ديني، وقد جاء به ملوك البربر من الجنوب وقساوسة الكلونياك من الشمال.
وما كاد القرن العاشر الميلادي يتبلج، حتى كانت المدنية الإسلامية قد انتشرت في إسبانيا كلها، في البلاد الإسلامية والنصرانية سواء، ولما سقطت مدينة طليطلة في حكم الممالك النصرانية، انتشرت حضارة الإسلام في عامة أصقاع أوروبا، وخلفت طليطلة مدينة قرطبة في التفرد بالحضارة والعلوم، واحتفظت بمكانتها إلى ما بعد سقوطها في أيدي الإفرنج في سنة 1085.
كان بلاط الملك ألفونسو السادس متشبعا بالمدنية الإسلامية، على نحو ما كان بلاط فرديناند الثاني في بلرم في القرن الثالث عشر، حتى لقد لقب ألفونسو نفسه بإمبراطور الديانتين، وكان الطلبة يؤمون مدارس طليطلة من كل ممالك أوروبا، حتى من إنجلترا واسكتلندا. ومن أعظم ما خلفه مسلمو إسبانيا للمدنية الغربية ما كتبه فلاسفة المسلمين، وعلى ما كانت عليه دولتا المرابطين والموحدين من التعصب، لم تتعرضا للفلاسفة بل شجعتاهم، ولكن على ألا ينشروا تعاليمهم بين الناس، ولم يظهر أعاظم المفكرين في المسلمين في عصر خلفاء قرطبة الزاهر، بل ظهروا في عصر الفوضى والاضمحلال السياسي، وكان هؤلاء الفلاسفة همزة الوصل في نقل فلسفة أرسطو إلى العرب، وكان الإنجليزي أو الاسكتلندي يضطر إذا أراد أن يدرس الفلسفة اليونانية، أن يرحل إلى طليطلة؛ ليدرسها باللغة العربية على شيوخ المسلمين.