تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال: وبالنظر إلى زهد الأتراك في العلوم والآداب، ظلت أعمال الصناعة والزراعة والملاحة في أيدي مواليهم، وهؤلاء كانوا في الحقيقة أعداءهم؛ ذلك لأن الأتراك كانوا يشمئزون من كل جديد، وتنبو نفوسهم عن كل ما لم يحملوه معهم من آسيا، فاضطروا أن يلجئوا إلى الغرباء في كل ما اخترع ونظم في أوروبا، فأمسوا وليس لديهم نقض ولا إبرام في مصادر سعادتهم ومنعتهم، وفي تعزيز جيوشهم وأساطيلهم. ولما كان الشأن في حروبهم للفيالق المتحمسة بالتعصب كانت الغلبة لهم، حتى إذا جاء دور العلوم البشرية، والانتفاع بما أبرزته العقول من المخترعات والمكشوفات كان العقل المساعد هو الذي أبطل حكم الشجاعة التي اتصفوا بها، وأهم ما أخر الأتراك وقادهم إلى الانحطاط ذكرى مجد سالف، وإعجاب وطني، لا تناسب بينه وبين ثروتهم وقوتهم، فكانوا إذا حدثت لهم قوة يستهينون بالأخطار التي تهددهم، فإذا كتب لهم النصر سكروا وقربوا القرابين، وإذا غلبوا حملوا على رؤسائهم. ا.ه.

وقال كورنو:

104

كان القرن السابع عشر، بلا جدال، عصرا عصيبا في تاريخ الدولة العثمانية، كان عهد صراعها مع أوروبا النصرانية، وما كان التعصب الإسلامي في زمن من الأزمان أشد تهديدا للنصرانية مما كان عليه في القرن السادس عشر على عهد سليم وسليمان. ومما لا مجال للشك فيه أن الهرم كان في القرن الثامن عشر دخل جسم المملكة التركية، ولكن وقع لها في الفترات، أي خلال القرن السابع عشر، ما يقع نظيره في عصور الانتقال؛ أي ما يدل على إقبال وإدبار معا. عاد الأتراك يغيرون على الغرب ووقفوا على أبواب فينا، فانتبهت فكرة البطولة والقيام بحرب صليبية حتى في رجال دولة فرنسا، استولى الترك على قندية على ما لقوا من مقاومة أشراف الفرنسيس، وبعد انسلاخ أعوام قليلة كان من جهد حكومة مشرفة على السقوط؛ (أي فرنسا) ما كفى لنزع المورة من أيدي الأتراك. ومن الواجب أن يلاحظ أن التفوق القطعي في الحضارة الأوربية على الوحشية التركية لم يكن ذا صلة بتقدم العلوم ولا بارتقاء فنون الحرب، وكان من ذاك الجندي الوحشي الذي لا يعرف النظام، ومن ذاك الوزير الجاهل، إذا نشب القتال وضاق الحصار أن يحولا دون توفيق القواد والمهندسين ممن تدربوا أحسن تدريب، على حين كان يمزق أوروبا النصرانية شقاقها الداخلي، ولم يكن لأحد من ملوك النصارى من السلطان في الواقع مثل ما كان لصاحب تركيا يومئذ، فاستلزم ذلك أحيانا أن تتغلب القوة الجسمية والعددية على العلم والدربة، وما مال الميزان إلا بارتقاء النظام والإدارة وتطبيقهما على مسائل الحرب، وكان من استفاضة الغني عاملا قويا من جملة العوامل في كف عادية العثمانيين، فأصبح في وسع كل دولة أوربية أن تجند جيوشا وتمرنهم، وأن تجهز أساطيل وتمدها، وعجزت الشعوب الآسياوية، بما كانت عليه من الحالة الاجتماعية، عن مقاومة الغرب مقاومة فعلية، إلا ما كان يخدمها من بعد المسافات واختلاف الأجواء، وبذلك بطلت معاودة الأتراك الغزو والغارة.

هذا رأي مؤرخين غربيين في الدواعي إلى انحطاط الدولة العثمانية، وإليكم آراء أربعة لمؤرخين من الأتراك، كتب الأول رأيه في أول عهد انحطاط الدولة وهو «قوجي» في رسالته، فقال: إن مما أدخل الخلل في الدولة زمن السلطان سليمان القانوني كونه تجافى عن حضور الديوان بنفسه، فبعد ما بينه وبين أمراء دولته وقوادها وغدا ينكرهم ولا يعرفهم، وقد عهد بالصدارة العظمى إلى إبراهيم باشا من خواص خدامه من دون سابقة له في خدمة، وما نظر إلى القاعدة التي كان يجري العمل عليها في توسيد منصب الصدارة، وأصبح من المألوف أن يرقى كل سلطان إلى هذا المنصب الجليل من ترغب فيه نفسه، وهو قليل الخبرة ولا يسترشد مع هذا برأي العارفين، ففسدت أمور الناس واختل نظامهم، وزوج القانوني ابنته من رستم باشا، فمنحه من الإقطاعات ما لا يتطاول إلى مثله ملك من ملوك الطوائف، وأخذ ذراري أولئك المالكين يقفون الإقطاعات، فأضاعوا بذلك دينهم ودنياهم؛ إذ خالفوا الشرع بإخراب هذه المزارع وهي ملك بيت المال، وأنشأ رستم يعهد إلى اليهود بإدارة إقطاعاته ونزعها من أيدي المسلمين، فقل ارتفاعها وخرب عمرانها، وبهر السلطان ما انهال عليه من الأموال، فزاد في الرفاهية والبذخ وتطلب الشهرة والصيت، فاقتدى به وزراؤه، وأمسى الناس لا يفكرون في غير البذخ والتفخل وعم الاعتداء على الناس فخربت البلاد.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٨٦