ذكر لاموش
102
أن الحالة السياسية في الدولة العثمانية أواخر القرن الثامن عشر كانت صورة كاملة من حكومة مطلقة يتصرف السلطان في أرواح أهلها وأموالهم. ولئن كان القرآن، وهو القانون السامي في المملكة، يقضي بقبض يد السلطان عن الاسترسال فيما يريد؛ فقد رأينا غير واحد من ملوك العثمانيين يستعملون الخمر، بل يفرطون في تناولها وفي تعاطي الأشربة المخمرة، مخالفين بذلك صريح آيات القرآن، وقلما كان السلاطين يعبأون بأوامر الكتاب الكريم، أو يراعون القواعد الإسلامية، إذا عن لهم اغتصاب أموال الدولة، إن كان في آياته ما يخالف شهواتهم وأهواءهم ومطامعهم. قال: ولكم كانت حال أرباب المكانة من رجال الدولة حرجة، أخذا من الصدر الأعظم فنازلا، وكل عمل مهما بلغ من خطورته لا يجعل صاحبه بمأمن من المحن، بل لقد كانت مكانة الوزير كثيرا ما تعجل بسقوطه؛ ذلك لأن الملك يحسده على ما خوله من سلطة مطلقة، وقد يحاذر أن تنشأ له حظوة في الأمة، وكلما قرب المرء من أنظار السلطان بحكم منصبه يستهدف لغضبه وهواه، والموظفون يجرون على هذا المثال مع موظفيهم ومستخدميهم، فكانت الإدارة الذوقية والعسف والسرقة، ولا سيما في الأعوام الآخرة عامة شاملة، من أعلى درجات المناصب في إدارة المملكة إلى أدناها؛ ولهذا السبب تعزى الثورات العديدة التي حدثت أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، وقد شهدنا لهيبها يندلع في المسلمين قبل أن يهب في النصارى.
وقال أيضا: إن العظمة التي قدرت للمملكة العثمانية أن تأخذ بضبعها إلى أبعد مدى، كانت تحمل معها جراثيم الانحطاط، والسلطة قد تفقد وحدتها وقوتها في مملكة واسعة الأطراف منوعة العناصر، وانتشرت عادة الترف والرشوة بين كبار رجال الدولة، وأصبحت السياسة تدار بأيدي النساء، وصعب مراس أصحاب الإقطاعات، وكثر سواد الجند الإنكشاري، وكانت تتألف منه إلى ذلك العهد نواة صالحة من الجيش العثماني، ثم بطلت الطريقة القديمة في التجنيد من أبناء النصارى، وكانوا يؤخذون صغارا ويربون، فدخل المتشردون والأفاقون في هذا الجيش المختار، بما فتح أمامهم من طرق المغانم، وأصبح الإنكشارية في حل من أن يتزوجوا، وأن يدخلوا أولادهم في الجيش، وما زالت الحال على ذلك حتى مال هؤلاء الجند إلى الفوضى في البلاد، وكانوا على جانب عظيم من الشجاعة في الحروب، وغدوا يرون لهم قوة أمام السلطان، وراحوا ينصبونه أو يسقطونه. قال: وكانوا عقبى تولي كل سلطان جديد يطلبون زيادة رواتبهم فيجابون إلى طلبهم، وأصبحت هذه القاعدة مطردة يسيرون عليها.
وعزا ميشو
103
انحطاط الدولة العثمانية إلى عدة أسباب، أهمها الجهل والجمود والغرور، فقال: كان العثمانيون لأول أمرهم الأمة الوحيدة التي كان لها جيش منظم دائم، وبه أحرزوا التفوق على الأمم التي أرادوا إخضاعها لسلطانهم، وغدت أوروبا في القرن السادس عشر ولمعظم ممالكها جيوش يدفعن بها هجمات الأعداء، ولشد ما انتشر النظام والتربية العسكرية بين شعوب النصرانية، وأخذت المدفعية والبحرية تزيدان كل يوم نظاما ورقيا في الغرب، هذا والأتراك يزهدون في التجارب التي وصلت إليها الجيوش البرية والبحرية، وهم قلما يستفيدون من العلوم التي انتشرت بين أعدائهم وجيرانهم.
قال: ومن الأسباب التي أضعفت قوة الجندية في الأتراك تلك الحروب التي شهروها على أوروبا وفارس؛ فقد صدتهم حربهم الفرس عن حملاتهم على النصارى، وأضر جهادهم في النصارى بنجاحهم في حروب آسيا؛ فبعد أن قاتلوا زمنا مقاتلة ما وراء النهر والقوقاز عجزوا عن قتال أوروبا، فوهنوا في حرب الفرس وحرب النصارى من أمم الغرب، ثم إن طريقة الإقطاعات التي أتوا بها من بلادهم الأصلية لم يتركوها وراثية؛ لينشأ إلى جانب السلاطين طبقة من الأشراف، على ما هو الحال في الحكومات الأوربية المطلقة، وبهذا لم يبق في المملكة العثمانية سوى سلطة رئيس مطلق إلى جنبها ديمقراطية عسكرية. وربما كان من استئصال الزعامة (الأرستقراطية) الوراثية ما قضى على الأمة العثمانية أن تبقى في حالة الهمجية، وبطبقة الزعماء في الأمم تهذب الأخلاق، وتثقف العادات، وبالطبقة الوسطى تنتشر المعارف وتستفيض المدنية.