تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال أيضا على ما رواه راسم في التاريخ العثماني: لقد أصبحت المناصب السلطانية بعد سنة 990ه، تباع بالرشاوى إلى غير من تأهلوا لها، وقام أشقياء الجلالي في سنة 1004، وآغاروا على القرى والمزارع في ولايات كثيرة في الأناضول وبلاد العرب، فخربوا العامر وجعلوه قاعا صفصفا، ثم آغاروا على بروسا وحرقوا كثيرا من أحيائها، وخرج العربان والتركمان عن حظيرة الطاعة، وغلوا في إطالة أيدي ظلمهم وتعديهم على فقراء الرعية، فخربت قرى كثيرة في تلك الديار أيضا، وقام أشقياء القوزاق في سواحل البحر الأسود، واعتدوا على السكان، وأسروا الآمنين من المسلمين، وأتوا على العروض والحدائق والحقول فنسفوها. وبعد أن عدد ما خرج من سلطان الدولة من الأقاليم، وما لقيه أهلها من العنت والمغارم. قال: وهكذا شأن سائر المملكة أتى الظالمون منا عليها فألبسوا الرعايا لباس الجوع والخوف. فأي مصيبة أعظم من هذه المصيبة، ومن المعلوم أن لا قيام للسلطنة إلا بالجند، ولا جند بلا مال، ولا مال إلا ما أتى به الرعايا، ولا تقوم لرعية قائمة إلا بالعدل . أما الناس في هذه الأرض فقد أصبحوا وقد سلب قرارهم وباتوا غير آمنين في سربهم، تتحيفهم المظالم، وتمزق شملهم الغوائل، فقل بذلك ارتفاع بيت المال، وآض أرباب السيف إلى هذه الحال، تنزع البلاد الإسلامية من يد سلطانها، ولا ترى لهم تدبيرا يدبرونه ولا دواء يصفونه، ولا يرجعون عن سفاهتهم، ولا ينتهون من غفلتهم.

وقال أحمد راسم يوم أن زالت سلطة الاستبداد بإسقاط عبد الحميد الثاني: تغبط أعظم إمبراطوريات العالم الدولة العثمانية على ما كان لها من الملك العظيم، والسلطان الذي يضم تحت لوائه زهاء ثلاثمائة مليون من المسلمين، ارتبطوا بالخلافة العثمانية برباط معنوي أكيد؛ ولكن سوء الإدارة وقلة المعارف وسيئات الحكومة وكسل الأهالي وما أشبه ذلك من المساوئ المادية والمعنوية، أفقد الدولة كثيرا من أملاكها وطأمن من عزة سلطانها، وأمست على عهد عبد الحميد الأول بعد أن عقدت معاهدة كوجك قينارجة مع روسيا أشبه بإيالة روسية لا تتحرك إلا بحركة حليفتها، وأصبحت في عهد عبد الحميد الثاني تهدد حياتها كل ساعة أصغر الحكومات شأنا، وهي بلغاريا المعدودة من الإمارات التابعة لها.

وقال جلال نوري

105

في عهد الحرية العثمانية الأخيرة على عهد الاتحاديين: يشبه الأتراك الرومان؛ فقد كان الرومان أمة حربية لا شأن لها إلا اقتسام الغنائم، فاضطروا إلى أن يتركوا للأمم حريتها لتتوفر على العمل والإنتاج، وبدءوا يسلبون الغرباء والبربر، ثم أخذوا يطيلون أيديهم على أموال الأمم في آسيا وإفريقية، ثم أنشأوا ينهبون رومية. وقال:

106

كان الأتراك يعلقون شأنا عظيما على الغنائم؛ فقد دخلوا إلى صميم بلاد النمسا، وتوغلوا في أرض الإفرنج حبا في المغانم، وما كان لهم متسع من الوقت يصرفونه في التجارة والصناعة، فكانت حالة الترك كحال رومية في هذا المعنى.

كانت رومية مقر الدولة الرومانية لا صناعات فيها ولا تجارة، والذريعة الوحيدة لجمع ثروة العظماء، إعلان الحرب وتقسيم الغنائم، وهكذا كان شأن البلاد العثمانية الأولى؛ إذ كان نيران الحروب أبدا والتوفر على تقسيم الأسلاب والأنفال. وما وقع في المجتمعات التركية والتترية وقع مثله في المجتمعات الرومانية؛ فقد كان لتقسيم المغانم قواعد وأصول، ولما كانت رومية عرضة على الدوام للحروب والغارات والانتقامات، امتزج فيها حب النفس بحب الأسرة، وحب الوطن بالاستعداد الحربي، ومثل ذلك وقع للأتراك، أصابهم ما أصاب الرومان. ا.ه.

وقال رابعهم رضا نور

107

في عهد تركيا الجمهورية: يرجع انقراض دولة العثمانيين إلى عوامل كثيرة، أهمها انقطاع البطولة من المسلمين، وقيام الترك سدا أمام النصرانية جلب عليهم خصومة أوروبا جمعاء، ونسلت القرون ومطارق النصارى تتساقط على رءوس الأتراك. وبالتغافل عن حقوق الوطنية التركية، والرغبة عن جعل التركية أساسا لسياسة الدولة، صانوا أديان من سقطوا عليهم من العناصر، وأبقوا على ألسنتهم بل عززوها ونصروها، وبمنح محمد الفاتح الروم امتيازات مذهبية أحدثوا دولة في دولة، ولم تصبح البلاد متجانسة، بل أمست كبرج بابل بتبلبل الألسن فيها. ولقد حافظ السلجوقيون لما نزلوا آسيا الصغرى على جميع الأديان والقوميات الغربية التي كانت فيها، وجرى العثمانيون على طريقهم، فاحتفظوا بما وجدوه ولم يعرفوا ما هو التمثيل، وكانت هذه العناصر كلما افترصت فرصة استلبت من بناء الدولة حجرا وذهبت به، وهذه الأجناس هي التي فتحت للأجانب سبيل المداخلة في الشئون الداخلية في الدولة، فكانت العامل في انقراضها. قال: ومن خرق الرأي الإبقاء على صنف من الرعايا يؤدون الخراج للدولة، وهذا من أساليب العرب وأصولهم. وعد من العوامل المؤخرة تدخل الدين في مصالح الحكومة، وجهل الملوك واستبدادهم وسفاهتهم، والعناية بتربية أبناء الصرب والروس والأولاح والأرمن والعرب والأرناؤد والكرج والشركس وغيرهم من العناصر، وتسليم زمام أمور الدولة إليهم، بدلا من أن يؤخذ بأيدي الأتراك أنفسهم، وكانت هذه العناصر تبذل الجهد للقضاء على التركية وإسدال الحجاب دونها. واعتصم ملوك الأتراك بالإسلام، فزادوا التعصب قوة، وكانت روسيا تنتقم لمملكة بيزنطية فتحارب العثمانيين على الدوام. قال: وكان على الترك أن يضموا العنصر التركي بأجمعه تحت علم واحد. ومن أخطائهم أن توسعوا في إفريقية، وأن نطحوا برءوسهم قلاع فينا في أوروبا، ثم وقفوا وأدمغتهم دامية. وزعم أن من دواعي الأسف فتحهم السبيل لرواج اللسانين العربي والفارسي، فداس هذان العنصران لسانهم الخاص؛ أي التركية، وعبث بالأمة الفقر، وعصف بها عاصف الجهل.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٨٧