97
كان إضعاف قوة العناصر من أعظم العوامل في تهيئة الأسباب لكل خلل في الدولة والأمة، وإذا أضفنا إلى ذلك تدخل النساء في أمور السلطنة في القصر السلطاني، ومن يتبعهن من طبقات الحاشية والغاشية ندرك سرا من أسرار هذا الضعف؛ فقد أفاض التاريخ أن خرم (روكسلان) البولونية زوج سليمان القانوني لعبت بأقدار المملكة زمنا، تعلن الحرب وتعقد الصلح، وسعت بقتل ابن ضرتها ليكون عرش السلطنة لابنها، وعصا شقيقه فهرب إلى فارس فدفع السلطان لشاه العجم أربعمائة ألف دينار؛
98
ليعيد إليه ابنه، فما إن حمل إليه حتى قتله وخمسة من أولاده، وكانت هذه السلطانة السبب في إهلاك إبراهيم وأحمد من الصدور العظام
99
أيضا، ومثلها «كوسم والدة» التي لعبت بأقدار المملكة نحو خمسين سنة، وما انتهت من تدخلها إلا بقتلها، فالنسوان والغلمان كان لهم مدخل عظيم في تقويض بنيان السلطنة.
وهل أعظم من أن يقتل الجواري من أولاد السلاطين من يردن قتله، وقد يكون في القتلى من أبناء الملوك الدراكة الحصيف، على حين لا يكون من يبقون على حياتهم غير أشباه الرجال، والسلاطين منذ عهد الفاتح، وقبل بايزيد، رخص لهم بقانون وضعوه لولاية العهد أن يكون لأولاد الفاتح وأحفاده ممن يجلسون على العرش العثماني، الحق أن يقتلوا إخوتهم حبا بإقرار الراحة في الناس. يقول أبو الفاروق: بدأت سيئة قتل الإخوة من عهد بايزيد الأول وسود الفاتح صحيفته بمثل هذا المنكر، فنشأت من ذلك سلسلة من الفجائع، ورأى الزمان لهذا النوع من القتل مبررا، فوضع في قالب الحرص على سلامة الأمن العام، وما رأوا غير هذا التدبير للقضاء على النزاع إلى السلطنة، وجرت مثل تلك الفظائع في فارس والحكومات الأوربية، غدت هذه السنة السيئة معمولا بها، وقلما خلا ملك من ارتكاب هذا القتل الفظيع، ومنهم من اتهم بقتل أبيه، وأصبح قتل السلطان إخوته وأولاده وأحفاده وبناته والحاملات من نساء السلاطين مما لا يستنكر، وظلت هذه العادة القبيحة من قتل أولاد السلاطين جاريا حكمها إلى عهد محمد الرابع (1099ه)، وكان حاول قتل شقيقه فمنعته والدته، وحال المفتي الأعظم بينه وبين القتل، أورد له كلام الله وخوفه من عذابه. وبذلك انقضى دور قتل أبناء الملوك الذي دام أكثر من ثلاثمائة سنة، وأخذ كل سلطان بعد ذلك يراقب أولياء العهد مراقبة شديدة، ويقيمهم بمعزل عن الناس لا يختلطون بهم، وكان يتولى العرش السلطاني أكبر أولاد السلاطين إلى عهد أحمد الأول، فجاد هذا عن القانون بنصب أخيه مصطفى، وأصبح من القواعد المعمول بها إلى آخر أيام العثمانيين أن يتولى العرش أكبر الأسرة المالكة سنا أو أقربهم من الجد الأول، وكان العثمانيون قبل اتساع سلطانهم يولون الأرشد من أبنائهم، وإن كان أصغرهم سنا، ويرجحون من كانت أمه من أسرة نبيلة لا من السراري والجواري والإماء.
100
ما خلت الدولة في أيامها الطويلة من ظهور نوابغ في السياسة من رجالها، وكانوا إذا تركوا وشأنهم يديرون دفة السياسة الداخلية والخارجية في الجملة على غفلة من الملوك المنحطين، وكثيرا ما كانوا يكتمون أمورا مهمة عن سلطانهم، لا يطلعونهم عليها إلا بعد أن تتم؛ فقد كانت الدولة مرة مشغولة بحروب هائلة على عهد عبد الحميد الأول، فاحتل العجم البصرة، فكتم وزراؤه الأمر عنه أربع سنين
101
حتى تسنى للدولة إخراج أعداء بلاده من أرضه؛ ولذلك كان مؤرخو الإفرنج على صواب في قولهم: إن ما كتب من التوفيق للدولة، يعزى إلى عبقرية الصدور العظام والقواد المحنكين، وإلى الصفات التي تفرد بها الجندي التركي من الصبر والطاعة، والمران على الحرب والضرب، لا إلى السلاطين الذين آثروا حياة القصور المفتونة، وركبوا إلى الشهوات كل مركب، وكان معظم هؤلاء النوابغ من عناصر أقوى من التركي، وأوسع حيلة وتوفرا على العمل والدءوب عليه، ظهروا باللباس التركي، وفيهم البجناكي والألباني والكردي والقوقازي وغيرهم يكتمون أنسابهم، ويخفون عن الشمس والقمر ما يدور في مغيبات نفوسهم.