تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقسمت الشام بين إنجلترا وفرنسا، فانتدبت إنجلترا على فلسطين وعبر الأردن، جعلت من الأولى وطنا قوميا لليهود، وأنشأت في الثانية إمارة صغيرة نصبت عليها عبد الله بن الحسين، وهو ابن الملك حسين بن علي، وأنشأت فرنسا من سائر بلاد الشام خمس دول جعلت تحت انتدابها، وهي سورية الداخلية أو المدن الأربع، دمشق وحلب وحماة وحمص، جعلت بأخرة جمهورية، واستقل لواء الإسكندرونة في داخليته، وإن كان في ظاهره من أعمال سورية، بدعوى أنه يكثر فيه العنصر التركي، وجعل جبل لبنان جمهورية بضم بلاد كثيرة إليه من الشرق والشمال والجنوب ما كانت في دور من الأدوار تعد من لبنان، وحكمت فرنسا بلاد العلويين أو النصيرية، وجبل دروز حوران حكما مباشرا؛ أي إن القطر الشامي بفضل الحلفاء قسم إلى سبع دول استقل كل منها عن الآخر، والانتداب أو الإشراف أو الحماية لإنجلترا وفرنسا، فكانت صفقة الشام بذلك خاسرة، ومن الغريب أن تجتمع بعد الحرب في بلاد النصرانية في أوروبا جميع البلاد المتشاكلة بعناصرها، وتتفرق بلاد العرب العثمانيين المجتمعة هذا التفريق، والأغرب أن تستقل العراق والحجاز واليمن ونجد، وأهلها أقل من الشاميين مدنية وكفاءة، وتنتدب على الشام دولتان عظيمتان ليعلما أهلها أصول حكم أنفسهم باسم ما سموه الانتداب، وهو أنفق ما جاءت به سياسة الحرب العظمى؛ لأنه حماية مستترة - كما قال أحد علماء القانون

91

من الإفرنج - وأغرب من هذا وذاك أن يفتح جنوب الشام أو فلسطين لليهود من أمم الأرض، ينهالون عليها بعلمهم وأموالهم، ويكثرون سواد أبناء نحلتهم في وطنهم القومي الجديد، ويفتح قلب الشام وجنوبها وشمالها لجاليات كثيرة من الأرمن والشركس والأكراد والأشوريين والسريانيين، يزيدون فقر أهل البلاد فقرا، ومجموعة طوائفها كثافة، وأمورها السياسية بلبلة.

يقول يونغ:

92 «وهكذا احتل الغرب البلاد الإسلامية احتلالا تدريجيا، وكانت الحروب المتوالية التي شهرت على الدولة العثمانية، المتولي الخلافة عليها خليفة العثمانيين، تعتبر لأسباب شتى حروبا دينية. قال: وعلى هذا المنوال يؤخرون حدود الإسلام؛ ليسهل استبعاد بلاد متجزئة غير مرهوبة الجانب، والخلاف يعبث بسكانها، بدسائس كثيرة ومصالح شخصية. قال: وبعد الحرب أجهز الغرب على الشرق.» •••

رجع الأتراك أصحاب هذه الإمبراطورية الكبرى إلى عشهم الذي كانوا منه درجوا قبل ستمائة سنة وهو آسيا الصغرى، استقلوا بها جمهورية تركية صرفة وأجلوا بقايا الأرمن والروم من بلادهم، حتى لا يكاد يرى منهم أحد الآن في ولاياتهم ما خلا مدينة الآستانة، واستعاضوا عن الروم العثمانيين بأتراك من بلاد اليونان وغيرها من البلاد البلقانية، بادلوا عليهم حكوماتها، وأسكنوهم الأرض التي خلت بجلاء الأرمن والروم، وتشرد بقايا الأرمن في أرجاء الأرض، وأصاب الشام منهم أكبر حصة، وأخذ الأتراك يتركون الأكراد والشركس واللاز المتخلفين من العناصر المسلمة في أرضهم، ونقلوا عاصمتهم إلى أنقرة في أواسط بلادهم، وقلبوا الآستانة ولاية فذهب عزها الذي كان لها قرونا في العهد البيزنطي والعثماني، وبقي الإسلام بدون خليفة، ولم يتقدم سوى الحسين بن علي فتقلدها أشهرا، وبايعته بعض الشام والعراق والحجاز، ثم خسر ملكه في الحجاز ونفي إلى جزيرة قبرص، ثم قضى نحبه. وهكذا قر الأتراك في أرضهم بعد أن أتعبوا العالم، وأتعبوا الشعوب المحكومة قرونا، كثرت أيام بؤسها، وقلت أيام نعيمها.

وعاد العرب المسلمون في السلطنة العثمانية، وقد خابت آمالهم وأحلامهم في الاستقلال والوحدة العربية، وكانوا يتوقعون خيرا هذه المرة أيضا من إنجلترا، ورجوا بعد الحرب العامة أن يحقق الإنجليز وعودهم المعسولة بتأليف مملكة عربية تضم جزيرة العرب والعراق والشام، ولكن البريطانيين لا يسعهم إلا أن يفوا بما عاهدوا عليه فرنسا معاهدة سرية زمن الحرب، قسموا بموجبها البلاد العربية بحسب مصلحتهم، قبل أن يصلوا إليها، وإنجلترا لا ترضى الآن على ما يظهر عن تأليف دولة عربية ذات سيادة في طريق هندها، وهذه هي المرة الثالثة التي خاب فيها أمل عرب السلطنة العثمانية بتأسيس مملكة عربية مستقلة، وفيها كانت إنجلترا السبب المباشر على ما يظهر، كانت أول مرة في عهد عبد الله بن سعود في القرن الماضي أيام استولى على نجد والحجاز، وتقرب من أطراف الشام والعراق، فهاجت إنجلترا الدولة العثمانية عليه حتى أرسلت جيشا من مصر ضربه ضربة قاضية، فقضي على العرب بأيدي العرب. والمرة الثانية كانت يوم استيلاء محمد علي والي مصر على الشام، وما وراءها من أرض قيليقية، وفي هذه النوبة أيضا كان الأمل قويا بإنشاء مملكة عربية بزعامة مصر، فقاتلت إنجلترا بأسطولها جيش محمد علي في الشام وأخرجته منها، كما كانت أخرجت نابليون من مصر في سنة 1802، وعادت بعد ثمانين سنة (سنة 1882م) فاحتلتها.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٨١