ويسأل القارئ بعد إلماعنا إلى حالة الدولة العثمانية في أدوارها المختلفة عن الأسباب التي أدت إلى ذاك العلو، وانتهت بهذا السقوط، وقد أوردنا بعض هذه العوامل في الصفحات الماضية، ونريد أن نقول هنا: إن انحطاط الدولة بدأ بإسراف الجنود السلطانية في العصيان، والعبث بما يعلو عن مستوى عقولهم من شئون السياسة، وكم من صدر أعظم ومن ملك قتل بمكايدهم ومؤامرتهم، وما دخل الجند في الأمور المدنية إلا دخل الفساد. ثم إن العلماء كانوا في عهد الفتوح والعظمة يسيطرون على ملوك العثمانيين، وكان منهم في العهد الماضي رجال أعلام سلمت نفوسهم من المفاسد ينكرون المنكر، ويدعون إلى المعروف، ومن يرد جماح الملك المستبد إذا لم تكن أمامه قوة يخافها ما دام أعظم عظيم في الدولة عبده وابن عبده، وله الحق كل ساعة أن يصدر إشارته بقطع عنقه أو حمله إليه في قصره يعذبه.
كان سليم الجبار يحاذر أن يقع في غضب مفتيه «زنبيللي علي»، وسليم هذا طالما قتل وزراءه من دون سبب، وكان الأمر بالقتل إلى شفتيه أقرب من الشمال إلى اليمين، ولما أحدث ابنه سليمان الألقاب والرتب العلمية، وأمال على العلماء الدنيا، على ما لم يكن لهم به عهد، أمسوا يتنافسون في الإملاء للظالمين من السلاطين، ويقلبون سيئات الملوك حسنات، لا يأخذون على أيديهم فيما يرتكبون من الكبائر، ولا يردونهم إلى صراط الحق في مسائل الدولة. قال ضيا: وسهل على سليمان ومن بعده من السلاطين بهذا العطف الظاهر على العلماء، أن يستصدروا فتاوى بقتل الأبرياء ممن تغضب عليهم الدولة. ويقول أبو الفاروق:
93
إن هؤلاء العلماء، وسماهم «بالمزايدين» على الأحكام الشرعية، أصبحوا يفسرون الأحكام للمتغلبين على السلطان على ما يشاءون وتشاء أهواؤهم، وسماهم الجرارين أيضا؛ أي طلاب الصدقات، فقال: إنهم كانوا من جملة الأسباب إلى تداعي أركان السلطنة، وهم كتائب من المداح جاء كثير منهم من فارس يستوكفون الأكف فاستأثروا بالزوايا، وانهالت عليهم عطايا السلاطين، وأعان على هذا الانحطاط أناس من الروم، زعموا أنهم انتحلوا الإسلام، مثل ميخال وأوره نوس من أمراء الروم، وغدوا بمالهم من المكانة في المقامات العالية يؤثرون فيها بأفكارهم ومنازعهم.
ولما رأى بايزيد أن القضاء أمسى ألعوبة في أيدي تلك الطبقة الفاسدة ممن تسموا باسم العلماء، وقد أصبحت مثارا للفساد والرشوة وضياع الحقوق، جلب منهم ثمانين قاضيا إلى ينيشهر وأراد قتلهم، لولا أن توسط الصدر في الكف عنهم واستتابهم. قال أبو الفاروق: وما الحيلة في مملكة وضع أساسها على أسوار بيزنطية، واتخذت مادتها من فارس، والمملكتان في الفساد «كزندين في وعاء».
94
يقول ريشاروود:
95 «إن الراسخين في العلم من المسلمين لا ينكرون أن هذه الفوضى في المملكة العثمانية ناشئة من تسهيل العلماء على السلاطين المستبدين ما تشاؤه أهواؤهم، ومن إغضائهم عن أعمالهم مهما كانت.» وكانت المناصب الدينية توجه في بدء أمر العثمانيين للكفاة من الرجال في الجملة، وذلك بالامتحان أو بالقدم، فغدت تسند بالشفاعات وبالرشاوى إلى الجهلة، ويصرف رجال القضاء من الخدمة بدون سبب. وبانحطاط القضاء انحطت الدولة، وغدت المناصب الشرعية تباع وتشرى وتورث وتوهب، فتولى الحكم بشريعة الرسول الأميون والجهلة والسفلة من طبقات المجتمع.
كانت الدولة متماسكة الأجزاء، والتوفيق حليفها لما كانت وحدات قوتها منظومة العقد بجندها وضباطها وأمرائها، وعتادها يفوق عتاد من تحاربهم، وسلاطينها ورجال الأمر فيها لا يفكرون في غير مصلحة الدولة. ولما كان لها مدافع
96
تستعملها قبل معظم الدول ظفرت في وقعتي جالديران ومرج دابق بالفرس، والمماليك في آسيا، وبملوك البلقان ودول المغرب المتفقة عليها في أوروبا، حتى إذا تفسخ جيشها، وجمدت على طرائقها القديمة في الحرب، مجتزئة بما كان عندها من سلاح، تراجعت عظمتها، واضمحل سلطانها، ولما انتهى جلب الغنائم من البلاد المفتتحة وضعفت مواردها، زاد السلب في رعاياها فاعتلت أمورها، وفسد جمهورها.