لما نشبت الحرب العالمية الكبرى في سنة 1914، انضمت تركيا إلى ألمانيا والنمسا والمجر فخرجت هذه الكتلة من الحرب مغلوبة، وقيل إنه كان من الحلفاء وفيهن إنجلترا وفرنسا أن قطعوا لشريف مكة الحسين بن علي عهدا (1916) تكون به بلاد العرب مستقلة فمشى في صفوفهم، والتحق به جماعة من أبناء العرب العثمانيين من جنود وضباط، فنادى به الحلفاء ملكا على الحجاز، وقام بثورته حتى دخل الحلفاء الشام. وكان بعض المنورين من أبناء العرب، ولا سيما بعض رجال الجندية والإدارة، ألفوا في أواخر العصر الحميدي جمعيات سرية لتطالب الدولة العثمانية بإصلاح حال العرب أو لتنزع يد العرب من طاعة الترك، وساروا على مثال الأتراك في التغالي بحب الجنسية والقومية، ولم يكن لهذه الفكرة من أثر قبل سنين قليلة في غير قليل من الرءوس المفكرة في العرب. وجاهر الأتراك الاتحاديون بتتريك العناصر منذ قبضوا على زمام الملك، وهذه الخطة من الخيالات التي لم تتم للأتراك أيام عزتهم، فصعب تحقيقها وهم في دور انحطاطهم، وما أورثت المجاهرة بها غير تمزيق أجزاء القلوب، وتأريث نار البغضاء بين العناصر، ولا سيما بين التركي والعربي، وانتبه العرب إلى ما يراد بهم، وعلمهم غلاة القومية التركية ما لم يكونوا يحتفلون به كثيرا من التناغي بالقومية، فزاد عدد المبغضين للحكم العثماني. وكذلك فعل الألبان في السلطنة فأنشأوا الجمعيات السرية وتناغوا بتعلم لسانهم وتاريخهم على نحو ما كان من الأرمن والصرب والبلغار والرومان واليونان.
خرجت الدولة في حرب سنة 1913 مع البلقانيين من أرض الروم إيلي بعد أن حكمته خمسمائة سنة وكانت افتتحته في خمسين، فاقتطعت منها ولايات أدرنة وقوصوة وأشقودرة ويانيا ومناستر وسلانيك، كبرت بها رقعة دول البلقان. وكانت إيطاليا في السنة التي قبلها (1912) استخلصت طرابلس وبرقة (ليبيا) من أيدي العثمانيين وضمت إليها الجزائر الاثنتي عشرة (دودكانيز) كما ضمت اليونان جزائر أخرى في البحر المتوسط، وضمت إنجلترا جزيرة قبرص سنة 1295ه.
90
واستولت تركيا في آخر الحرب العالمية على قارص وأردهان وباطوم، وكانت روسيا سلختها عنها منذ سنين، كما توسعت في حدودها في أوروبا، فاستعادت من اليونان تراكيا الشرقية على نهر المريج، ومحطة أدرنة، وجزيرتي إمروز وتنيدوس (بوزجه أطه). أما سائر البلاد العثمانية العربية فكان نصيبها مختلفا، انسلخت كلها عن جسم السلطنة، كأن الصلح الذي ارتضى به الحلفاء كان بأخذهم لها، وكأن تركيا استعادت الأرض التركية من بلاد الدولة العثمانية المنقطعة بحد الحسام، أو فتحتها فتحا ثانيا.
كانت مصر تعتبر في عرف السياسة عثمانية؛ لأنها ظلت إلى أواخر الحرب العالمية تدفع خراجا مقطوعا كل سنة للسلطنة العثمانية، فقطعته إنجلترا في الحرب الكبرى، وأعلنت حمايتها على مصر، وبعد الحرب ثار المصريون على المحتلين من الإنجليز، فاعترفت إنجلترا لمصر باستقلالها، ثم فصلت عنها السودان، وهو الجزء المتمم لها، وما برح جيش الاحتلال إلى الآن في القطر المصري، وسلطان إنجلترا ما زال نافذا فيها. واليمن استقل بها إمام الزيدية ما عدا السواحل على المحيط الهندي وخليج فارس، فإن إنجلترا كانت احتلتها، ومنها ما حكمته مباشرة كعدن، ومنها ما عاهدت عليه أمراءه وسلاطينه، وحمتهم ووسعت عليهم، فكانوا عمالها مثل لجج والنواحي السبع (الصبيحة والحواشب والقطيب وأبين والضالع واليافع والعلوي)، وحضرموت وعمان ومسقط والبحرين والكويت، وكانت الدولة التركية تنازلت لبريطانيا العظمى في سنة 1913 عن حقوقها في مرافئ الكويت وقطر والبحرين ومسقط وعمان، على أن تتعهد بريطانيا بإنارة الخليج الفارسي وخفارته.
وقضى عبد العزيز بن سعود على إمارة آل رشيد في نجد، ثم استخلص الحجاز من ملكها الجديد الحسين بن علي حليف الإنجليز بالأمس، وجعل من نجد والحجاز، وما إليها مملكة واحدة، وكان الإنجليز جعلوا فيصل بن الحسين ابن ملك الحجاز ملكا على العراق عقبى خروجه من الشام، وكانوا فيها بايعوه ملكا، فلم يرض الحلفاء عن هذه المبايعة، وبعد مدة أعلن الإنجليز انتهاء ما سموه بالانتداب على العراق، وجعلوا من بلاد الرافدين حكومة ذات سيادة محالفة لهم وضامنة لإنجلترا، أو في قسط من حقوقها.