87
وتعهد أن يكتفي بزوجة واحدة، فأصبح في الحرم بعد مدة تسعمائة امرأة وثلاثة آلاف خادم ووصيفة، وكانت تمد في قصره كل يوم خمسمائة مائدة، ويجلس إلى كل واحدة منها اثنا عشر شخصا، فشقيت الدولة بإدارته، وأصبح لا ينفذ أمرا للوزراء فتآمروا عليه، وأخذ هو يفاوض روسيا سرا لتحميه، ويتذرع بنقل ثروته إلى البلاد الأجنبية، فتمكن رجال الدولة من خلعه بفتوى من شيخ الإسلام - كما كان رجال الدولة خلعوا إبراهيم الخليع بفتوى أيضا - أثبتوا عليه العته والجهل بالأمور السياسية، والإسراف في أموال الدولة، بما لا تستطيع تحمله لينفقه في شهواته، وأنه أخل بعمله في أمور الدين والدنيا، فساق الملك والدولة إلى الخراب.
وما كان عبد الحميد الثاني أقل إسرافا في المال من أبيه وعمه، فإنه اقتطع ألوفا من القرى من أيدي مالكيها، وجعلها ملكا خاصا له، تدر عليه مليوني ليرة عثمانية ذهبية كل عام، ومنها كان ينفق كل يوم البدر على جواسيسه ومقربيه والصحف الأجنبية وبعض من يعتقد فيهم له النفع من ساسة الغربيين وسماسرتهم، وتصرف في قصره مئات الألوف من الدنانير على البذخ والزينة والأطعمة، كان جيشه جائعا وضباطه وعماله وصغار موظفيه لا يقبضون من رواتبهم سوى أشهر معدودة في السنة. ولما زار الإمبراطور غليوم الثاني بلاد السلطنة العثمانية أهدى عبد الحميد للإمبراطورة تاجا قوم بنصف مليون جنيه عثماني، فقال الإمبراطور: إن الأتراك مجانين، ولو عقل عبد الحميد لأهدى الإمبراطورة تذكارا منه فيه خطه أو شارته، وصرف هذا المبلغ الجسيم على التاج المهدى إلينا في ابتياع بارجة حربية يصون بها سواحل ملكه. فعبد الحميد كان - والأمر على ما ذكر - صورة من أعظم الملوك المستبدين، وكان من يرضى عنه يغدق عليه من الأموال والرتب والأوسمة ما يعمي به بصره وبصيرته، وفوق هذا يغضي عنه في كل ما تطمح إليه نفسه من مال الدولة والملة، وبلغ من حجره على الأفكار والحرية طورا مضحكا مبكيا، ومن جوده بالرتب والمراتب وشارات التشريف ومظاهر الأبهة ما لم يعهد من قبل ولا من بعد؛ فقد يرقي طفلا لأحد مقربيه في الرتب العسكرية، ويصل به إلى رتبة المشيرية - أرقى مناصب الدولة في الجندية - وهو غلام يافع، ويشرف بأوسمته المومسات والمهرجين والمتجسسين.
كان عبد الحميد تعهد للوزير مدحت لما نصبه سلطانا أن يؤسس حكومة دستورية نيابية، وما لبث أن أحرق فيما قيل دار مدحت، ليحرق فيه سند تعهده، ثم قتله في الطائف؛ لأنه خلع عبد العزيز الذي قيل إنه انتحر، وقيل إنه نحر. يقول لاموش:
88
إن عبد الحميد كان على دهاء ومكر ونشاط للعمل، ولو قدر له أن يعمل إلى جنبه وزير من مثل مدحت لأعاد إلى السلطنة بهاءها، ولكن عبد الحميد كان يكره الرجال العقلاء، ولا ثقة له إلا بمن يدلس عليه، وأعدى عدوه من ينصح له شأن كل مستبد جبار، وكان رجال المابين في عهد من أخبث الرجال. •••
كان رجال الدولة على مثل اليقين أن السلطنة إذا لم يدخلها الإصلاح على مثال الدول الغربية يقضى عليها لا محالة، فنهض في القرن الماضي جماعة من كبار الموظفين في العاصمة، ثم تبعهم بعض علماء
89
الدين يفكرون في الطرق التي تؤدي إلى إنقاذ الدولة وقبول مدنية الغرب، وانتشرت هذه الأفكار في الولايات، ولا سيما بين الأتراك في آسيا الصغرى وعرب الولايات العربية، وأيقن العثمانيون المسلمون أن الحاجة ماسة إلى الإصلاح، لما شاهدوا أن معظم بلاد الإسلام استولى عليها الدخلاء، فانضم جمهور المطالبين من الأتراك إلى جمهور من العرب. وحالت الأحوال ومضت الأعوام، وبعد أن كانت هذه الأفكار تجول في صدور أفراد أصبح يرددها الخاصة وكثير من العامة، وعلى أثر ذلك نشأت جمعية الاتحاد والترقي مؤلفة من معظم عناصر السلطنة، على أن يكون الأتراك أرباب الكلمة النافذة وحدهم في المملكة العثمانية، وأثارت الجمعية الجيش في الروم إيلي، فخاف عبد الحميد الثاني، وأعاد في سنة 1908 القانون الأساسي الذي كان أبطله أوائل حكمه (1876)، وأراد أن يعيد حكومته الاستبدادية بعد قليل، فأنشأ جمعية ارتجاعية سماها الجمعية المحمدية، قامت بفتنة في العاصمة، وقتلت أناسا من الأحرار الومنورين، فانتهى الأمر بخلعه، وجيء بأخيه رشاد باسم محمد الخامس، وكان فيه شيء من بله السلاطين، فأصبح ألعوبة بأيدي الاتحاديين الذين كانوا قبضوا على زمام السلطنة منذ أبعدوا عبد الحميد من الملك. ولما قضى محمد الخامس نحبه جيء بأخيه وحيد الدين باسم محمد السادس، فارتمى في أحضان دول الحلفاء أواخر الحرب العالمية، فأخذت الحمية الوطنية بعض رجال الدولة، وألفوا في آسيا الصغرى جيشا قضوا به على الجيش اليوناني الذي كان احتل بإيعاز من بعض الحلفاء معظم ولايات أدرنة وأزمير وبروسا، وضربوا اليونان في وقعة سقارية (1922م) ضربة دامية، ووضعوا السيف في أروام السلطنة ما خلا الآستانة، ويومئذ صار لتركيا صوت يسمع في السياسة، وكان دول الحلفاء قرروا تقسيم آسيا الصغرى إلى مناطق نفوذ بينهن أو بين إنجلترا وإيطاليا وفرنسا واليونان. ولما رأى محمد السادس ما ارتكبه من الجرم الفظيع، غادر عاصمة السلطنة على بارجة إنجليزية، ونادى المجلس الوطني التركي بعبد المجيد خليفة، ولم يلبث غير قليل حتى قرر المجلس الوطني إسقاط الخلافة العثمانية (1923) وطرد جميع آل عثمان من البلاد العثمانية، ونادى بمصطفى كمال، صاحب الأعمال الحربية التي حفظت على الأتراك استقلالهم، رئيسا للجمهورية التركية.