تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رأينا مما تقدم أن الدول كانت إذا بدا لهن مأرب يساعدن الدولة، ويتحببن إليها، على ما كان من نابوليون لما حملها على حرب روسيا قبل أن يغزوها بجيشه في أرضها، وكما فعل غليوم الألماني في العهد الحديث، فإنه ما زال يتقرب منها حتى جرها في الحرب العامة إلى القتال في صفوف حلفائه، ففقدت نصف أملاكها وأقفرت بلادها، وقتل مئات الألوف من أبنائها، وما منعت سياسة الدول واختلافاتهن من معاونة اليونانيين والرومانيين والبلغاريين والصربيين على استقلالهن، وأن يرسل بعضهن لتلك الإمارات رجالا ومالا وعتادا؛ لأن البلقانيين شعوب نصرانية، يجب فصلهم عن دولة الخلافة، وأردن أن يعملن مثل ذلك للأرمن، لولا أنهم كانوا متفرقين في كثير من الولايات، لا يؤلفون جمهرة كبيرة في قطر واحد.

بعد أن أخفق العثمانيون في الحرب التي انتهت بصلح أدرنة، وبه انسلخت رومانيا عن تركيا، واستقلت الصرب بدفع خراج معين للسلطنة، واعترفت الدول باستقلال اليونان، أصبحت هذه الإمارات بحكم مذهبها تحت وصاية روسيا، وأصبح الحق لدولة القياصرة أن تدخل المضايق والخليج إلى الآستانة، وعندئذ لقب الإمبراطور نقولا الروسي الدولة العثمانية بالرجل المريض (1829). ولا تفتأ إنجلترا تقول: لا بأس بالعمل على شفاء الرجل المريض، والواقع أن ثلاثة أرباع مصائب الدولة أتتها على يد روسيا، كأن هذه الدولة جاءت في العصور الحديثة تنتقم من الأتراك عما نالها من مصائب إخوانهم التتر أو المغول، من غزو بلاد الروس في العصور الوسطى.

وكانت تركيا في كل نازلة سياسية وقعت فيها تتذرع بما لا ينتج من الاحتجاج، أو تهدد بالجامعة الإسلامية، وكل احتجاج يعقبه استسلام واستكانة للأمر الواقع، احتجت على احتلال إنجلترا مصر (1882)، وعلى ضم الروم إيلي الشرقي إلى بلغاريا (1885)، وعلى المراقبة الإدارية على مقدونية، وعلى ضم البوسنة والهرسك إلى النمسا، وعلى ضم كريت إلى اليونان، وما أجدى احتجاجها ولا قلامة ظفر، والدول ذوات الشأن يعملن ما يصلحهن، ويتفق مع مصالحهن، ولما حاربت الدولة العثمانية حكومة اليونان تقدمت الدول، فأعلنت أن الغالب لا ينال من المغلوب شيئا من أرضه، فخرجت الدولة ظافرة، ولم تجن ثمرة انتصارها، أما التهديد بالجامعة الإسلامية فلم يأت الدولة العثمانية بفائدة أيضا، وربما عاد بضرر على المسلمين الذين قضي على بلادهم أن تحتلها فرنسا أو إنجلترا أو إيطاليا أو هولاندا أو روسيا، فتشتد الدول المحتلة لبلادهم في الضغط عليهم، وإحصاء أنفاسهم عليهم كلما كانت تردد تلك النغمة، على أن المسلمين تختلف أغراضهم في قطر عن آخر، والناس أرغب في السلام منهم في الخصام، إذا لم تسقهم يد جبارة إلى الحرب، ولم يكن لهم منها مغنم عظيم، لا يعرضون حياتهم وراحتهم للخطر ليجيبوا داعي الجامعة الإسلامية.

كانت خسارة الدولة في كل حرب حاربتها في القرن التاسع عشر كبيرة في المال والرجال والبلاد، حتى اضطرت إلى فتح أبواب الاستدانة من أوروبا بالفائدة الفاحشة، ولا تفتأ تحمل ما خسرته من الضرائب والمكوس من ولاياتها المفقودة على ولاياتها الموجودة، بدأت بالاقتراض في حرب القرم، وما مضت أعوام قليلة حتى عجزت عن وفاء ديونها، وأعلنت إفلاسها (1876م)، فبدأ استعبادها الاقتصادي، وظلت على ذلك إلى آخر أيامها، وكيف لا تختل ماليتها والفوضى عامة شاملة في عامة فروع الإدارة، والسلطان يأخذ ما يشاء، ويترك ما يشاء من مال الدولة بدون حساب. بدد السلطان عبد المجيد أموال السلطنة، وكان السراري والجواري والمقربون في القصر السلطاني يحكمون في مقدرات البلاد بدون علم ولا تجربة ولا إخلاص، ولما زوج هذا السلطان ابنته أنفق على جهازها وعرسها مليوني ليرة فرنسية ذهبية. وآلى عبد العزيز من بعده أن يمسك عن الإسراف لأول سلطنته، ثم عاد إليه على صورة بشعة،

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٧٨