تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

82

ونظامه فرنسي، وبنادقه بلجيكية، وعمائم أفراده تركية، وسروجه مجرية، وسيوفه إنجليزية، ومعلميه من كل أمة، وهو مؤلف من جماعة الاحتياط ممن لا حد لخدمتهم، ورؤساؤه من المجندين آنفا، ومنهم من كانوا بالأمس أعداء، وكأنه مجموعة عناصر ومدنيات.

وهذا الجيش العجيب التركيب هو الذي انهزم المرة بعد المرة أمام جيش محمد علي والي مصر، فتقدم واستولى على الشام وقيلقية، ووصل إلى كوتاهية في صميم أرض آسيا الصغرى، وهدد دار الملك، وأثبت أن قوة الدولة كانت ورما لا شحما، وأن دعوى قوتها خيال أكثر مما هي حقيقة ، وأي غضاضة على الدولة أن ينهزم جيشها أمام أحد ولاتها، حتى اضطرت أن تعقد مع روسيا معاهدة «خنكار اسكله سي»؛ لتدفع عنها بأس أحد عمالها، فتنجدها باثني عشر ألف جندي؛ لتحميها في عقر دارها من جيش محمد علي وابنه إبراهيم. وأي ضعف أفظع من أن يقوم تركي من ولاة الدولة في طرابلس الغرب (1123ه) اسمه أحمد قره مانلي، ويبايع له بإمارة طرابلس على عادة الولاة فيها أيام العثمانيين، ويسمى بأمير المؤمنين،

83

ويستقل وآله بطرابلس قرنا وربعا (1711 إلى 1835) بمال دفعه إلى أحمد الثالث،

84

ولا ينتهي حكمه في ذاك القطر إلا بإيعاز إنجلترا للدولة سرا أن تتقدم إلى إرجاع سلطتها على تلك الولاية. وكانت إنجلترا عقدت مع ذاك المتغلب - الذي أطلق عليه أو أطلق على نفسه لقب أمير المؤمنين في بلاد أمير المؤمنين - معاهدة من دون أخذ رأي الدولة المنتمي إليها، لتأمن على أسطولها من غزوات سفنه وقرصانه (1164ه)، وتضطر سفنها إذا صادفت سفن القره مانلي في عرض البحر إلى إظهار جوازها لقائد سفنه.

ومثل هذه المعاهدة عقدتها مع طرابلس في عهد آل القره مانلي جمهورية البندقية وجمهورية طسقانة ومملكة نابل ومملكة فرنسا وغيرها من أمم الجنوب. وعقدت الولايات المتحدة الأميركية (1220ه) معاهدة، تقضي بأن ترفع طرابلس الرق عن النصارى، وكان لطرابلس جعل معين تتقاضاه من دولة السويد؛ ذلك لأن الدول البحرية كانت تخاف على تجارتها من غزو قرصان البحر في شمالي إفريقية، وشأن أسطول طرابلس وقرصانه في هذا المعنى شأن أسطول تونس والجزائر ومراكش، وكان فخر الدين

85

المعني الثاني أمير جبل لبنان وما إليه عقد قبل أكثر من قرن مع كوسموس الثاني كبير دوجات طسقانة، معاهدة دفاعية هجومية، وذلك في غفلة الدولة العثمانية، واستظهر بأسطول فرديناند الطسقاني فغلب على أكثر سواحل الشام وقهر جيش الدولة (1043ه)، ومثل ذلك وقع لباي تونس وهو وال عثماني في سنة 1577، فعقد معاهدة مع فرنسا،

86

وبعد سنة 1741 عقد بايات تونس عدة معاهدات مع الدول النصرانية باسم تونس فقط.

وعلى هذا بدأت دول برأسها تنفصل بطرق مختلفة عن الدولة العثمانية، وإن كان ظاهرها أنها تابعة لها، ولو ظلت الدولة وحدها تصاول روسيا فقط لقضت هذه عليها، واستولت على المضايق، وخرجت إلى البحر المتوسط، ولكن ذلك لم يكن من مصلحة إنجلترا، فكانت هذه منذ اتحدت روسيا والنمسا (1787) على تقسيم البلاد العثمانية في أرض أوروبا، تسعى بما أوتيته من دهاء سياسي لفصم عرا كل اتحاد ينتهي بضرب الدولة العثمانية الضربة القاضية، وكانت أوروبا في هذه الحقبة ترى بقاء السلطنة العثمانية ضروريا للتوازن السياسي، ولما رأت بريطانيا العظمى أن معاهدة «خنكار اسكله سي» بين العثمانيين والروسيين تقضي بجعل السلطنة العثمانية تحت حماية روسيا، سعت مع الدول الأخرى إلى حل المسألة الشرقية بالطرق السلمية. واتفق الدول ما عدا فرنسا ألا تتجدد هذه المعاهدة بين العثمانيين والروسيين، وأن السلطان إذا اقتضت له معاونة لسلامة بلاده تعاونه الدول على أن تبقى المضايق والدردنيل تحت إشرافهن، ولما طلبت روسيا أن تحمي الروم الأرثوذكس في بلاد السلطنة، على ما كانت فرنسا منذ القديم حامية الكاثوليك فيها، نشبت حرب القرم، وحطمت روسيا أسطول تركيا في البحر الأسود، وكادت فيالقها تصل إلى الآستانة، فأرسل الإنجليز والفرنسيس والطليان أسطولا وجيشا لمعاونة الدولة العثمانية، فظفرت هذه بالروس (1856) مع الدول المحالفة لها، ودفعت بريطانيا نفقات الحرب، وضمنت للسلطنة استقلالها.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٧٧