كان من تخالف الرعايا في المذهب، وتباينهم في الأخذ بحظ من المدنية، سلسلة من المصائب لا تنتهي إلى حد، وفي ألفاظ التحقير والملق التي كانت تطلقها الدولة في بعض رسائلها الرسمية على غير المسلمين، وفي ألقاب العبودية العجيبة التي تلقب بها موظفيها،
80
وتطلقها على سفراء الدول حتى القرن السابع عشر؛ في كل هذا دليل على ذاك الروح الذي تريد الدولة بثه في الناس، وهو روح التعصب والتقزز من كل مخالف، ومثل هذه السياسة العوجاء يكتب لها النفاق كثيرا في بلاد ضمت أرجاؤها عشرين نحلة ومذهبا، وأهلها متأخرون في سلم المدنية، وما كان للعقلاء سلطان على أحد لوضع حد لهذا التهور، مخافة ألا تقع نصائحهم موقع الرضا من نفوس السياسيين، ولولا أن حض الإسلام على حماية أهل الذمة، ووصى بهم أحسن توصية، لاضمحل غير المسلمين في كل بلد كانت كثرته الغامرة منهم، ورأينا الغرم في كل فتنة أهلية على السكان، والغنم للدولة على الأكثر.
وفيما عامل به النصارى في البلقان جمهور المسلمين، لما كانت تكتب لهم الغلبة على الدولة، من ضروب الإفناء، وهتك الأعراض وتدمير العروض، برهان جلي على ما كانت تكنه صدور النصارى من الأحقاد على المسلمين؛ بسبب أولئك العمال الذين كانوا يصدعون بأمر ساسة الآستانة، لا يقاد جذوة التعصب بين الطوائف، وما كانت هذه السياسة بالتي تخفى على رجال السياسة في أوروبا، بيد أن الدولة في مؤخر أيامها كانت تسكت الدول النصرانية بإرشاء القويات منهن بامتيازات، تصان فيها حقوق غير المسلمين أكثر من المسلمين، وهناك رؤساء دين يمتون إلى إحدى الدول العظمى بحق المذهب، ودالة الحسب والنسبة، فطائفة تنتمي إلى روسيا، وأخرى إلى إنجلترا، وغيرها لفرنسا، والمسلمون من بين عناصر السلطنة، ولا سيما العرب منهم، كانوا أشبه بالمنومين أو المخدرين باسم الدين، كأنه لا جناح على الدولة أن تظلمهم؛ لأنهم عبيدها، وكان علماء بغداد لما وافاها التتر أفتوا أن الدولة الكافرة العادلة خير من الدولة المسلمة الظالمة، كانت الدولة في أيام عزها إذا أتاها أحد سفراء الأجانب أيا كان يحمل إلى السلطان وإلى وزرائه الهدايا الفاخرة، فلما تراجع أمرها أخذت هي تلطف لأكثر وكلاء الدول وتهاديهم وتتاحفهم، وتتساهل معهم ومع رعاياهم، حتى لقد اعترف ريشاروود
81
الإنجليزي أن الكنائس كثر عددها جدا في بلاد السلطنة، خصوصا ما كان منها للأجانب، وبرهن على تساهل الدولة العثمانية بإعفائها كل ما يرد إلى بلادها برسم الكنائس والأديار والمستشفيات وغيرها من الضريبة الجمركية، سواء كان أثاثا أو لباسا أو كتبا أو آلات أو طعاما أو غيرها. قال وهذا الأمر لا نعلم أنه يوجد في بلاد أخرى، وفي الامتيازات الأجنبية من البلاء وغمط حقوق الوطنيين والإغضاء عن ريع الدولة ما لا ينكره عاقل. •••
زاد في القرن التاسع عشر تدخل الدول العظمى في أمور السلطنة، بطرق سياسية خفيفة الملمس في الظاهر خشنة عند التنفيذ، وما أخذ الملوك فيه من عنان استبدادهم وشهواتهم، ولا حدثتهم أنفسهم أن يدخلوا إصلاحا حقيقيا على أوضاع السلطنة التي صارت إلى البلى، وكانت تتذرع بالمحافظة على الظواهر الصورية، أكثر من التشبث بالجد والعمل النافع، مثال ذلك الجيش حامي حمى المملكة في داخلها وخارجها، فإنه كان أيضا صوريا، فبعد أن قضى محمود الثاني على جيش الإنكشارية الذي كاد يودي بالدولة إلى الاضمحلال، لم يستطع أن ينظم جيشا يصلح حقيقة للدفاع والهجوم؛ لأن روح الدولة قام بالفوضى، فصعب عليها أن تعمد إلى النظام، وأرادت من جيشها الجديد أن تتبع فيه أيضا سياسة إرضاء الغربي، فكان جيشا غريبا في تكوينه اسمه النظامي فقط، وهو الفوضى بعينها في تركيبه وتدبيره وتهذيبه، وصفه أحد مدربيه الضابط مولتكه الألماني بقوله: إنه كان على مثال الجيوش الأوربية ولكن معاطفه روسية،