تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

78

جيشا من الترك مؤلفا من مائتي ألف على نهر بروت، ورأينا روسيا أيضا في سنة 1768 تقضي بسبعة عشر ألف جندي على جيش تركي لا يقل عن مائة وخمسين ألفا، والدول إذا أقبلت كثرت العدة وإن أقلت العدد، وإذا أدبرت كثرت العدد وأقلت العدة.

ظهرت منذ القرن الخامس

79

عشر في عالم السياسة الأوربية مسألة سموها «المسألة الشرقية»، ومعناها اتقاء الخطر الذي داهم أوروبا من زحف العثمانيين عليها، وتغير وجه هذه المسألة منذ بداية القرن الثامن عشر، فلم تكن المسألة الشرقية مسألة اتقاء خطر، بل كانت مسألة الإبقاء على الأتراك العثمانيين، أو تقسيم بلادهم تبعا لتفاوت الدول في المنزلة والمصلحة، ومنذ سنة 1815 كان هم رجال السياسة الأوربية أبدا معالجة المسألة الشرقية، وهي تعرض كل مرة في شكل غير شكلها، وبعد أن كان النساء في الغرب إذا أردن تخويف أولادهن قلن لهم: «جاء سليمان القانوني» أصبحت أوروبا في القرن التاسع عشر تطلق على المملكة العثمانية كلها وعلى سلطانها اسم «الرجل المريض». وحقيقة إن السلطنة كانت مصابة منذ قرنين بمرض داخلي وخارجي، والسبب في هذه التسمية أن إنجلترا وروسيا عقبى حرب القرم سنة 1853 كانتا تطلقان هذا الاسم أثناء المفاوضات السياسية على الدولة، وروسيا تقترح اتخاذ الأسباب لتقسيم إرث الدولة التركية، وإنجلترا تجيب: إن الأوفق أن يبذل الجهد في شفاء هذا الرجل المريض.

أمست الدولة العثمانية بعد ضعفها لا تكفي غائلة دولة من دول الغرب، إلا إذا استعانت بأخرى عليها، وهذا قلما وقع، ولا تنتفع إلا من انقسامات الدول العظمى، فإذا اتفقت مصلحتها ومصلحة إحداهن ترتاح زمنا من المشاكل والغوائل في بلادها، ففائدتها كانت إذا في تخالف الدول، وتباين أغراضهن فقط، وكانت أيام شبابها تنال من دول أوروبا مجتمعات ومنفردات، ولقد قال بعض الباحثين: إن علائق الدولة في القرن الثامن عشر أصبحت ودية مع دول الغرب، ولا سيما مع إنجلترا وفرنسا وهولاندة والسويد والدانيمرك، فكن يتوسطن لها في مسائل الصلح، وكان لفرنسا من ذلك قسط عظيم، وذلك بعد أن أخذت من الدولة عهدا بامتيازاتها الأجنبية (1740م)، وأخذت تحمي الرعايا الكاثوليك في الأرض العثمانية، وقد تعاقدت الدولة بعد تعاقدا يشبه الامتيازات الأجنبية مع الولايات المتحدة والبلجيك والبرتقال وإسبانيا.

ولم تر الدولة في سياستها الداخلية أسهل من إلقاء الفتنة بين العناصر غير التركية على الدوام، تضرب العربي بالتركي، والأرمني بالكردي، والصربي بالأرناؤدي، والرومي بالكاثوليكي، والمسلم بالنصراني، والفرق الإسلامية المختلفة بأهل السنة، فكانت حروبها الداخلية أيام ضعفها حروب عناصر وشغب بين أبناء الوطن الواحد، وحروبها الخارجية مع دول قوية كالنمسا وروسيا والبندقية، وتروج سياسة التفرقة أيام الأزمات السياسية، ويتجاهر أهل الدولة في الدعاية إليها، وتحريك العرق الحساس في الغوغاء من الناس.

أرادت الدولة يوم ثورة المورة أن تنتقم من الروم في مملكتها؛ لأن أبناء دينهم في الأرض الأوربية هبوا يطالبون باستقلالهم، فأوعزت إلى والي دمشق أن يقتل المسلمون جميع نصارى الشام من طائفة الروم الأرثوذكس، فاستشار الوالي أعيان دمشق، فأشاروا عليه أن يكتب إلى العاصمة أن ليس في البلاد خائن، وأن النصارى عبيد السلطنة يؤدون الجزية، وبذلك نجا نحو خمسين ألفا من القتل. ولما أرادت الدولة أن توطد حكمها في الشام أثارت الدروز على النصارى في لبنان، وأهاجت غوغاء المسلمين والدروز على نصارى دمشق وما إليها، وتدخلت الدول في الأمر فحكمت المحكمة العسكرية على بضع مئات من المسلمين بالقتل والنفي وغرمت الأهلين غرامات فاحشة، وما عاقبت الدروز على أعمالهم في الثورة الأهلية لحماية إنجلترا لهم.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٧٥