لما حارب سليم الأول شاه العجم قتل في حدود بلاده أربعين ألف شيعي، فأصبحت للمسلمين دولتان: إحداهما سنية والأخرى شيعية، وكلمة الأولى أنفذ ومكانتها بين الدول أعظم؛ ذلك لأنها تحكم الأماكن المطهرة، وهي أوسع مجالا وأكثر رجالا، ومن أجل هذا كانت الدولة العثمانية أبدا عرضة لضربات الغربيين على بلادها، لما كانوا يخافون من امتداد سلطانها في الغرب منذ وطئت أقدام جندها قارة أوروبا، فانتبه الغرب بما أنذر به من غارات العثمانيين على شعوب البلقان، وما أحرزوه من النصر في أكثر وقائعهم، وأيقنوا أن الأتراك إذا تم لهم الاستقرار في البلقان وما إليه، لا يلبثون أن يصلوا إلى غربي أوروبا وشمالها، وهناك الطامة العظمى على دول النصرانية، بل على كنيسة رومية نفسها. واشتد هذا الخوف من العثمانيين لما رأوهم فتحوا بلاد المجر وحكموها مائة وخمسين سنة، وهددوا فينا غير مرة، وكانت وقعة سان جوتار أعظم قتال ظفر فيه النصارى بالترك، لم يعهد لهم مثله منذ ثلاثمائة سنة على رواية هامر.
كان ملوك أوروبا والباباوات في مقدمتهم، يجمعون شمل الغربيين كلما وهى؛ ليقاوموا تقدم التيار التركي، وما تم لهم التوفيق أو شيء يشبه التوفيق أمام سطوة الدولة لعهد قرنين من تأسيسها، وما حاد الباباوات في إهاجة شعوب النصرانية على الإسلام، عن الخطة التي اختطوها في المقاومة منذ فتح العرب بلاد الأندلس، إلى الحروب الصليبية، إلى ظهور الدولة العثمانية. تساقطت الضربات الصليبية على الإسلام قرونا، وكان الأتراك آخر من كتب لهم أن يضربوا ويضربوا قرونا بعد ذلك كثيرة.
كانت الحروب سجالا بين العثمانيين ومن أرادوا غزوهم، ولكن الغلبة الأخيرة كانت أبدا إلى جانب العثمانيين، وكان العثمانيون يفشلون في بعض حروبهم مع أمراء البلقان وغيرهم لبعد المسافات؛ لأن من الحروب ما يشهرها قوادهم على الحدود لضرورة حافزة، دون أن يستعدوا لها أو يستعينوا بجيش كبير يأتيهم من أنحاء السلطنة، فقد فتح قواد الحدود ألبانيا والمورة من دون أمر أتاهم من السلطان؛ لأنه كان لهم الحق إذا رأوا غرة أن يهاجموا من في جوارهم ويفتحوا بلادهم بدون أمر السلطان؛ أي كان لهم الحق والحرية في أعمالهم؛ لأن للتأخير آفات والبلاد مترامية الأطراف.
فقد فتح الفاتح مثلا بلاد آل قرمان في آسيا الصغرى بعد حرب أربع سنين، وما ضمت تلك الإمارة إلى الملك العثماني إلا بعد أن حاربها العثمانيون عشر مرات في مدة مائة وست وستين سنة. وقد صمد العرب في سواحل الحجاز واليمن لحرب البرتقاليين، لما جاءوا مستعمرين أواخر عهد المماليك المصريين، وأوائل حكم العثمانيين، يقصدون الهند وما إليها، فرد الشريف أبو نمى أمير مكة جيش البرتقاليين عن جدة، ورد غيره من الأمراء والشيوخ غارات كثيرة من مثل هذه على أرضهم الداخلة في سلطان العثمانيين، وكانت حروبهم مع البرتقاليين يوما لهم ويوما عليهم؛ وذلك لبعد الشقة؛ ولأن الدولة تكاد تحصر جهودها في استبقاء أملاكها في أوروبا.
تعذر على دول الغرب أن يقضين على سلطان العثمانيين، ولكن هؤلاء بلوا بدولة واحدة تكفي حروبها للقضاء على الدولة العثمانية، ونعني بها دولة قياصرة روسيا، فكانت واقفة لهم بالمرصاد منذ ضرب الجيش السوري بلاد القرم (سنة 1559م)، وكان خان القرم من عمال السلطنة وأهل بلاده من عنصر تتري إسلامي، وزادت غزوات الروس على الترك العثمانيين بقيام بطرس الأكبر، وكان هذا يفكر منذ صغره بعقد تحالف نصراني؛
77
لطرد الأتراك من أوروبا، وأوصى دولته ألا تغفل عن حرب الترك، لتنزع الآستانة وبيت المقدس من سلطتها، وفي معظم الحروب التي شهرتها روسيا على تركيا كان الظفر حليف الروس؛ لأن روسيا كانت منذ عهد مصلحها بطرس الأكبر تنظم جيشها بالنظام الأوربي الحديث، والعثمانيون ناموا على ما كان لجيشهم من قوة وسمعة، يغرهم عدده، ولا يعبئون كثيرا بتنظيمه وعدده، فقد رأينا بطرس الأكبر يرد بأربعين ألفا