تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

74

عند كلامه على السلطان مصطفى وكيف انقطع في قصره عن العالم، وحصر وكده في شهواته: لقد تفرد آل عثمان من القديم بغلبة الشهوات عليهم، وقد وقع لمراد الثالث عارض فأخذ أهل القصر السلطاني يتعلمون أدوية الباه من الشرق والغرب وهو يسيء استعمالها.

وأكد بعض مؤرخي الترك أن من ملوكهم المتأخرين بعد الفاتحين العشرة كانوا على غباء محسوس وإسراف على النفس، لا يحفلون بأمور الدولة والناس، ومنهم من كانوا يعتقدون بالطالع ويخافون من صرعات الجن، ويقربون من يزعم من المشايخ أنهم يتسلطون عليها ويشفون من أمراضها، وكان «جنجي خوجه» يدعي معرفة ذلك، ويبيع المناصب العلمية بالرشاوى (1058). على أن بعض المداهنين من المؤرخين ولا سيما المؤرخون الرسميون، لم يتحرجوا من أن يطلقوا على بعضهم صفات التمجيد وسكتوا عما وقع ورأوه فلم يدونوه جبنا ورياء، وأغمضوا عن مساوئ لمن دونوا أعمالهم مما تعدى ضرره إلى الملك فوهت أركانه، وسارت البلاد إلى الانحلال بخطى سريعة، وبقي الشؤم ملازما لها منذ ظهر أولئك السلاطين الماجنون المتجننون.

وأجمع مؤرخوهم أن بايزيد الثاني كان من السفاهة على جانب عظيم، فانتشرت المفاسد والمنكرات في أيامه في كل مكان بين الخاص والعام، ونسوا الشرع وعبثوا بأحكام الدين، وكانت تحمل إلى قصر بايزيد أجمل الفتيات والفتيان من كل أرض، كما تحمل إليه أطيب المسكرات وألطف المغنين والمغنيات والموسيقيين والموسيقيات والمهرجين والمساخر، ولا شأن للكبراء، وفي طليعتهم صدره الأعظم، إلا أن يأتوه بما ترغب فيه نفسه من الجواري والغلمان.

ومن أهم العوامل في تراجع أمور السلطنة أن ملوكها بعد أن كانوا ينزلون إلى ساحات الوغى بأنفسهم،

75

وكثير منهم ماتوا في الغزو أو في طريق الغزو، أخذوا يعيشون عيش الترف، وثلاثة فقط من ثمانية ملوك ممن حكموا بعد سليمان القانوني حضروا الحروب بأنفسهم. ولما بويع الأطفال بالسلطنة غدا الوزراء والنساء يدبرون شئون الدولة، وأصبح أولاد السلاطين بعد أن كانوا يقودون الجيوش إلى ميادين الحرب، ويدبرون الولايات والإيالات، بعيدين عن حياة العمل ومعاناة السياسة، وكان آخر من دعي إلى تولي السلطنة وهو يدير الولايات سليم الثاني ومحمد الثالث. وغدا أولياء العهد بعد ذلك يربون في حجور الخصيان والنسوان، منعزلين عن الناس في قصورهم، يعيشون في جو كله نعيم وفتنة، وكان من أثر هذه التربية ألا يظهر أولياء العهد بعد توليهم زمام السلطنة لأحد من الناس، ولا يقيمون العدل ولا يراقبون وزراءهم وحكامهم، وطفق بعض أولياء العهد يشق عصا الطاعة على السلطنة، وعجز السلطان عن مراقبة وزرائه؛ لأنه لم يحسن انتخابهم، ويكون اختيارهم بتأثيرات الموالي والعبيد والنساء، والوزير نفسه عبد من نصبوه.

كان الملك على الأكثر يختار عماله من مماليكه وعبيده، ومنهم البستاني والآذن وحارس الكلاب وسائس الدواب وغلام الحمام، أو من ندمائه ومداحه وخدامه، يدخلون في الإسلام فيكون منهم قواده وولاته ووزراؤه، وإذا رجعنا إلى أصول الصدور العظام

76

نشهد أن اثني عشر منهم فقط من ثمانية وأربعين صدرا كانوا من أصول إسلامية، وباقيهم من أصل رومي وبجناكي وألباني، ممن رأوا في انتحال الإسلام مصلحة لهم، فدخلوا في الجيش واستأثروا بالإقطاعات. ولقد قال وزير المال يوما وهو عائد من مجلس الوزراء، وكانت جمهرته من العبدان والمماليك: «أنا آت من سوق العبيد.» وما كان السلاطين أنفسهم غير أبناء إماء تتلاعب بهم أمهاتهم وزوجاتهم في كثير من الأمور، ويعبثن بأمور الدولة والملة، يقتلن من يرين قتله من أولاد السلاطين، ويبقين على من يشأن، وينصبن الصدور والوزراء والقواد والولاة والمتصرفين، ويستأثرن بأموال الدولة، وكانت تجبى لإحدى الحظايا جباية الشام كلها لنفقتها وبذخها، وهي السابعة من نساء إبراهيم الأول الذي ارتأى مرة أن الخزانة نضبت أموالها، فلا يسد العجز فيها إلا المجوهرات التي أهداها أجداده للحرمين، فقال الصدر الأعظم لما سمع بعزم السلطان: لقد سقطت الدولة إلى هذه الدركة بفيلق من الجواري الناقصات من بنات الروس والبولونين والمجريين والفرنسيين، وإبراهيم الأول هو الذي قرر أن يقتل عامة النصارى في مملكته، ولم يقنعه شيخ الإسلام بالعدول عن هذا الرأي إلا لما قال له: إن في قتلهم نقص واردات السلطنة، وإن الجباية تخف إذا قتل في العاصمة مائتا ألف إنسان. •••

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٧٣