أخذ الضعف يتسرب إلى الدولة في النصف الأخير من أيام سليمان القانوني الطويلة، وقال بعضهم: إن عهد الانحطاط بدأ في دور محمد الثالث (1012ه) على كثرة ما وفق إليه من الفتوح، وعلى ما كان من تعلقه بأحكام الشريعة ومعاقبته على المسكر وتضييقه على الحانات، ومنذ وفاة سليمان القانوني
70 (1566م) إلى تولي سليم الثالث (1787م) الذي حاول إدخال الإصلاح على الدولة، لا نحصي من سبعة عشر سلطانا سوى محمد الثالث، ومراد الرابع، ومصطفى الثالث كانوا على صفات تؤهلهم للحكومة والسلطنة، وإن كان من هؤلاء الثلاثة من فطر على قسوة ظاهرة، فقد قتل مراد الرابع صدرين أعظمين خسرو ورجب وكانا من عظماء رجال الدولة، بدون سبب معقول، وربما كان هو وبعض آله يقتلون حبا بالقتل، واتفق أن اعتبط بعض من كان يرجى منهم الخير للملكة من السلاطين، وكثير منهم كانوا أطفالا عندما جلسوا في دست السلطنة، فما كانت سن أحمد الأول وعثمان الثاني أكثر من أربع عشرة سنة، عندما بويعا بالسلطنة، وكان عمر مراد يوم مبايعته اثنتي عشرة سنة، وكان لمحمد الرابع سبع سنين، دع من كان من هؤلاء السلاطين أغبياء، ومثل هذه الطبقة من الملوك تسهل الحكم للنساء والندماء فتقع الفوضى في الجيش، وقد تجلى انحطاط الدولة في القرن الثامن عشر، وإن كتب لها أن ظفرت بالروس في حرب سنة 1711 و1732م.
ولعله يعد من الأسباب الجوهرية في الانحطاط تغير الدم السلطاني في آل عثمان تغيرا كبيرا؛ لكثرة
71
ما اقتنوا من السراري والجواري النصرانيات، فكان سليم الثاني نصف روسي؛ لأن أمه روسية، ومحمد الثالث نصف بندقي؛ لأن أمة بندقية، وعثمان الثاني ومراد الرابع وإبراهيم الأول أنصاف أروام؛ لأن أمهاتهم روميات، وكثر عدد من تولوا أعمال السلطنة ممن دانوا بالإسلام من نصارى الروم والألبان والصرب والبلغار. وعلى عهد سليم الثاني كان من ثمانية رجال تولوا الصدارة العظمى ستة من المهتدين إلى الإسلام حديثا، فيهم الجنوي والبجناكي واليوناني والروسي، وكان في المناصب العالية الطلياني والمجري وغيرهما. أصاب العثمانيين في العصور الحديثة ما أصاب العباسيين في العصور الوسطى من تغير الدم العربي فيهم، لما غلوا في الاستكثار من اقتناء الجواري الروميات والفارسيات يستولدونهم أبناء الخلفاء، وبذلك كثر الهجناء وقل الصرحاء.
ويرى مؤرخو الإفرنج أنه جاء من سلاطين آل عثمان منذ القرن الخامس عشر إلى القرن السادس عشر من كانوا عظماء حقا، وأن سليمان القانوني كان من طرازهم، لكن خلفاءه استرسلوا في الرذائل والشهوات، فكان سليم الثاني شريبا خميرا فلقب بسليم السكير، وكان مراد الثالث قاتل إخوته الذي قتل ثلاثة عشر أخا له وعشر نساء حاملات من أبيه، محفوفا بالندماء والنساء يتأثر بمؤثراتهم، وحاول مراد الرابع وكان نشيطا حازما، أن يقي المملكة من السقوط السريع فلم يفلح.
72
وكان ضعف السلطنة محسوسا على عهد أحمد الأول ومصطفى الأول وعثمان الثاني.
كان مصطفى الأول المعروف بالأبله مجنونا، وكان مراد الثالث مظهرا من مظاهر
73
الإفراط في كل شيء، ولا سيما في الاسترسال إلى شهواته وفي إدارة الإقطاعات، وفي أيامه ثار الإنكشارية لأول مرة على الديوان العالي، ويمكن أن يعد عهده عهد الضعف الداخلي في العثمانيين، وقد أعانته أمه وامرأته صفية على شهواته وخلف 118 ولدا. وكذلك كان السلطان أحمد قتيل الغواني والكئوس، وكذلك إبراهيم الأول الذي أخجل بني عثمان بتهتكه وسوء سيرته، قيل: إنه قتل مائة ألف إنسان، منهم خمسة وعشرون ألفا بنفسه وأمام عينه، وأوقد ثورة في آسيا الصغرى؛ لأنه أراد أن يغتصب زوجة أحد العظماء لجمالها، وكان يبني كل أسبوع ببكر، وتقام له الأفراح، ثم ضعفت أعصابه فأخذوا يصفون له المقويات، قال أبو الفاروق