تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

66

فقد كان العثمانيون يرعون أديان الشعوب المحكومة ويحترمون عاداتها، وظلت تركيا متمسكة بهذه القاعدة إلى القرن العشرين، وما تعمدت قط أن تتمثل العناصر، بل اكتفت بإدارتهم وفرض الضرائب عليهم. قال: ورأينا الشعوب التي خضعت لحكم السلطنة أضاعت قوميتها، وكانت مع هذا أيام استبعادها أسعد حالا من العصور المضطربة المحاربة أيام استقلالها ، وربما لم تربح إلى اليوم من هذا التبدل في الحكم، وهم على كل حال يتألف منهم خطر دائم على أوروبا، وقد خلفت المسألة البلقانية المسألة الشرقية من دون ما فائدة تعود على راحة الغرب. ا.ه.

لم يصل تتريك العناصر التي خضعت لسلطان العثمانيين في البلاد الأوربية إلى أكثر مما بلغه في بلاد العرب، ورأينا أرمن الأناضول تركوا لسانهم وأصبحت التركية لغتهم الوطنية، فسطت اللغة التركية على الأرمن النازلين في السهول؛ لامتزاجهم بالترك منذ عهد السلجوقيين، وسلمت لسكان الجبال في إرمينية لغتهم بعض السلامة، وتترك

67

الروم العثمانيون كالأرمن، وتترك أرمن الآستانة في كل مظاهرهم وعاداتهم، حتى ما يميزون عن الأتراك، ولذلك كان غلاة القومية التركية يفضلون الأرمن على العرب المسلمين؛ لأن هؤلاء عصوا على التترك.

استفاد الترك من اتخاذ مدينة القسطنطينية عاصمة لملكهم مدنية جديدة، أخذوا يتقلبون في أوضاعهم؛ ولكنهم أضاعوا بعض صفاتهم في التمسك والتقشف، وكان إليهما ينسب أكثر نجاحهم ونجاح كثير من الدول التي قامت في المشرق؛ ذلك لأن بيئة فروق وبيئة بالترف، مذ كان الروم سلاطينها، فهي جنة حفت بالشهوات، ومن الصعب أن يسلم نازلها من عوامل الافتتان، وإذا قدر له أن يحتفظ بعاداته ومتانته، فأولاده أو أحفاده يتخلقون بأخلاق البلد الذي نشئوا فيه لا محالة، وقد تبدلت أخلاق العثمانيين باختلاطهم بعناصر غير شرقية، فأصبحت حياتهم تتطلب مطالب جديدة، واعتبر سلاطين آل عثمان أنفسهم ورثاء إمبراطرة بيزنطية فأخذوا بمصطلحاتهم وبكثير من عاداتهم، وتجافوا عن بعض ما كان لهم من عادات، وبخاصة ما كانت تتجلى به أبهة السلطان وبذخه وعزه في مواكبه وقصوره. يقول «أوهسون»: إنه لم يكن يقل عدد من في القصر السلطاني في آخر القرن الثامن عشر عن اثني عشر ألف رجل، فيهم الضابط والخصي الأبيض والأسود والغلام والحاجب وغيرهم.

كان مراد الأول أول ملك عثماني

68

رقيت في أيامه المملكة التي وضع عثمان أساسها إلى مستوى أرقى من مستوى إمارة تركمانية؛ أي من الطراز الذي كانت عليه تلك الإمارات في آسيا الصغرى، وكان على جانب من التدين والعدل، وكذلك كان مراد الثاني (855ه) وقد وصفه مؤرخو بيزنطية

69

وغيرهم من مؤرخي النصارى بأنه ملك عادل حليم، جاءه العلماء من العراق وفارس فانضموا إلى جملته، وأدخلوا في الآداب التركية روحا جديدا، وكان أول سلطان عثماني جعل بلاطه مثابة للشعراء والأدباء والعلماء من المسلمين، وعلى ذلك جرى خلفاؤه ولا سيما محمد الفاتح، فإنه فتح أبواب عاصمته للعلماء والأدباء، يستدعيهم من الأقطار لنشر الثقافة الإسلامية، وكان سليم الأول يحسن عدة لغات، وينظم الشعر بالتركية والعربية والفارسية، وكذلك ابنه سليمان أدرك ما بدأ من تباشير النهضة الغربية الحديثة في إيطاليا وفكر في الاشتراك بها. ويقول «روبرتسون»: إن السلطان سليمان فاق سلاطين الدولة العثمانية بخصاله الحميدة الجليلة ومشروعاته العظيمة وفاقهم أيضا بنجاحه وظفره بأعدائه، قال: وكفى عصره فخرا أن ظهر فيه أعظم الملوك الذين ظهروا إلى ذلك العهد في أوروبا، ولو كان السلطان سليمان، والبابا ليون العاشر، والإمبراطور شارلكان، والملك فرنسيس الأول، والملك هنري الثامن قد ظهروا في أعصر مختلفة، لكانت معارف كل واحد منهم تكفي العصر فخارا، فما بالك وقد ظهروا كلهم كالكواكب الساطعة في القرن السادس عشر، فكان لهذا القرن من الرونق والبهجة ما لم يسبق لغيره من القرون. ا.ه. وكانت لمعظم السلاطين ثقافة شرقية يشاركون في مسائل كثيرة ويثقفون في قصورهم ثقافة دينية وسياسية. •••

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٧١