وبينا كانت الشعوب النصرانية إلى آخر القرون الوسطى لا يفتحون بلادهم إلا لمن انتحلوا النصرانية، كان العثمانيون يرعون النصارى في بلادهم، عملا بطريقة الدول الإسلامية التي تقدمتهم، بيد أن آل عثمان عملوا على نشر الإسلام منذ عهد أورخان؛ ليكثروا سواد المسلمين في بلادهم، ولاسيما في الولايات الأوربية، فكانوا إذا أسروا أولاد النصارى من البجناكية والروم والصرب والبلغار والألبان يربونهم تربية إسلامية، ثم يجندونهم في جيش الإنكشارية،
62
ولا يتعرضون لأبناء الروم والأرمن من سكان ساقز ورودس. وانتشر الإسلام في رومانيا وبلغاريا وألبانيا وصربيا واليونان بقبائل من التتر أنزلتهم الدولة في معسكرات أنشأتها في قواعد البلاد الكبرى، أو في الحصون المشهورة، على نحو ما فعل محمد الثاني فأنشأ (سنة 1466م) في إيلبصان من بلاد الأرناؤد مستعمرة إسلامية كبرى، وانتشر الإسلام في بلاد الصرب والخروات بعد وقعة قوصوة بإسكان قبائل تركية رحالة فيها، وبطبقات من الجند المسلم رابطت في بلغراد.
ولما فتحت ألبانيا هاجر من أهلها إلى صقلية وقلورية والبندقية وجنوة ومرسيلية وإسبانيا بضع مئات الألوف من أهلها، وما لبث أن أسلم ثلثا الباقي من أهل البلاد، لما رأوا زعماءهم ومقدميهم يسارعون إلى الإسلام. ولما فتحت البوسنة والهرسك الفتح الأخير على عهد محمد الثاني
63
دخل نصف أهلها في الإسلام، وقيل: إن الإسلام دخل ألبانيا وتراكيا ومقدونية حتى بلغ أوخريدة على يد درويش تتري اسمه «صاري صالتق» من تلاميذ رجل من الصلحاء اسمه حاجي بكتاش، وانتشر الإسلام في بسارابيا ودوبرويجة وفي المجر. ومنذ القرن السادس من الهجرة
64
كان في بلاد الهنكر أو هنغاريا أو المجر طوائف من المسلمين أسلموا على أيدي أناس من مسلمي بلغاريا سكنوا بينهم.
لا جرم أن العثمانيين بذلوا جهودا غير قليلة في ولاياتهم الأوربية لنشر الإسلام بطرق من الدعاية يجيزها الدين، ولا تخالف أصلا من أصول حرية الأديان، فمزجوا السكان بجاليات كثيرة من التتر استدعوهم من بلاد الترك في آسيا، وسهلوا لهم سبل الهجرة والاستيطان. ودولة حكمت بلادا بضعة قرون لا بد أن تبقي فيها أثرا من دينها وعاداتها ولغتها، وكان هذا الأثر ضئيلا في المجريين والرومانيين والصربيين، وكثيرا في الألبانيين والبجناكيين والبلغاريين. يقول لاموش:
65
إن الأتراك ليسوا متعصبين في ذاتهم، إن لم تهجهم أمور خارجية أو يأتهم أمر صادر من مقام سام، وإذا بدا في تضاعيف تاريخهم أنهم ارتكبوا فظائع ومذابح، فهذا كان للاستيلاء على بعض الحصون خلال حروبهم، أو عندما كانوا يريدون قمع ثورة، أو يحاولون انتقاما عن فظائع يقابلون بها خصومهم بالمثل، ويندر جدا إكراه العثمانيين أحدا من النصارى على انتحال الإسلام؛ ذلك لأن المسلمين أدركوا أن إخراج غير المسلمين إلى دين الإسلام مخالف لمصلحتهم، فيقل عديد من يؤدون الجزية فيضمحل العاملون الخاضعون لإرادتهم، وبدافع نفسي وقع إسلام جماعات كثيرة من أهل البوسنة وألبانيا وإقريطش، رأوا التمذهب بالإسلام من مصلحتهم، ودان الأشراف وأرباب الأملاك الكبرى ممن أصبحوا «بكوات» فيما بعد، دين الفاتح، وجاراهم أتباعهم في هذا الشأن للاحتفاظ بأملاكهم وامتيازاتهم، وقد أدرك محمد الثاني بما رزق من بعد نظر في السياسة أن الواجب رعاية النصارى وإدخالهم في أعمال الدولة بقدر ما تسمح به الشريعة الإسلامية، ولم يبق من جميع أوضاع الإمبراطورية الشرقية الرومية غير أوضاع رجال الدين يتمتعون بمراتبهم وتراتيبهم، وجعل بطريرك الآستانة مرجعا للروم في بلاده. ا.ه.
وبعد، فلم يخرج العثمانيون في معاملتهم غير أبناء مذهبهم عن حد ما رسمته الشريعة الإسلامية، وما كان الحكم التركي الذي امتد ظله إلى المجر ظالما ولا قاسيا كما قال كستلو: