تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان القصد من ظهور سليم الأول بمظهر جديد لم يظهر فيه أجداده، ونعني به فتح بلاد العرب الذي أكمله ابنه سليمان، جمع شمل المسلمين تحت علم واحد، وإنقاذ الخلافة الإسلامية،

57

وكانت أصبحت ولا راعي لها، ولو ساعده الأجل لغدت معظم ممالك آسيا وإفريقية في سلطانه، ولغدت الهند وفارس وتركستان من جملة بلاده، ولاستطاع أن ينقذ أمنيته في جعل اللغة العربية لغة الدولة العثمانية الرسمية، يرضي بذلك جميع العناصر المسلمة ويؤسس مملكة إسلامية لا نظير لها، وينقذ الدولة من غوائل التطاحن مع أوروبا على الدوام، من أجل استبقاء بلاد نصرانية لا رابطة بينها وبين العثمانيين في الدين، ولا في العنصر ولا في المدنية، وكأن الترك بعد أن شبعوا من مغانم البلاد التي افتتحوها في أوروبا سمت بهم هممهم أن يتعرفوا إلى عالم آخر يعيشون بغنائمه مدة.

يقول جايار:

58 «كان الإسلام صريحا في المؤاخاة بين الناس، واسع المدى في فهم معنى الحياة، بدأ به عهد جديد كان فيه للعرب وكثير من شعوب الشرق نحو عشرة قرون، مبعث نهضة ودور فلاح وعظمة وغنى، وبعد أن بلغت المدنية العربية قمة مجدها بتأثير الإسلام السعيد، وبما في تعاليمه من الفضائل، نشأت إمارة صغيرة لعثمان (عثمانجق) تألف منها في أقل من قرنين أعظم مملكة وأوسعها حولا، امتد سلطانها في أوروبا وآسيا وإفريقية وبفضل «اده بالي» و«جاندارلي» واجتماع الفكر الإسلامي، وقوة جيش عثمان وبايزيد والفاتح وسليم فشل التحالف الذي عقدته عدة ممالك، وأسست دولة امتدت من نهر الدون وبحر أزوف إلى مدينة فينا، ومن مراكش إلى أبواب الهند حيث وضع الإسلام قواعده.»

وقال كرامر:

59

إن الفتوح العثمانية السريعة في القرنين الرابع عشر والخامس عشر لم تكن تشبه فتوح جماعة من البربر، بل كانت تحقيقا لخطة مرسومة في أذهان عظماء الفاتحين، أمثال بايزيد الأول، ومحمد الثاني، وسليمان الأول، وبعض رجال دولتهم، وكان من أثر الفتح في تلك العصور أن انبعث طراز من المدنية ظهر في مظهره الأخير في القرن السادس عشر. •••

كان سليم الأول أسر في وقعة مرج دابق الخليفة المتوكل العباسي الذي رافق الغوري من مصر، وكانت الخلافة العباسية انتقلت من بغداد إلى القاهرة بعد مقتل آخر ملوك بني العباس على يد هولاكو، وأمسى الخليفة العباسي في مصر، وليس له من عمل إلا أن يصادق على أعمال الملك، والملك يجري عليه ما يعيش به، دام هذا الترتيب مدة استيلاء المماليك على مصر، فحمل السلطان العثماني هذا الخليفة إلى دار ملكه في الآستانة، وكان أحد أجداد هذا الخليفة منح أحد أجداد الملك العثماني، وهو بيلديرم بايزيد، لقب سلطان، وقيل: إن الخليفة العباسي نزل للسلطان العثماني عن الخلافة في جامع أياصوفيا، وقيل: إنه لم يعرض له بشيء في هذا الشأن، وقيل: إن الخليفة العباسي سجن في «يدى قله»

60

في ظاهر الآستانة، وإنه عاد إلى مصر بعد مهلك السلطان سليم، ولقب السلطان التركي بلقب الخلافة منذ فتح بلاد العرب، وخفقت رايته على الحرمين الشريفين. ويقول أرنولد من علماء المشرقيات الإنجليز:

61

إن مراد الأول هو الذي لقب بالخلافة لما فتح أدرنة وفيلبه، وإن العثمانيين وغيرهم من الملوك كانوا يخاطبون بالخلافة، وقبل أن ينقل السلطان سليم من مصر الخليفة المتوكل، كان أجداده اعتادوا منذ قرن ونصف أن يلقبوا بالخلافة، وبعد قرنين لم يبق في ملوك الإسلام من يستحق أن يطلق عليه اسم الخلافة غير سلطان العثمانيين وإمبراطور المغول في الهند؛ وذلك لسعة بلادهما وامتداد سلطانهما، وادعى غيرهما هذا اللقب عن غير استحقاق، ولما سقطت دولة المغول في الهند خلال القرن الثامن عشر أصبح السلطان العثماني أعظم ملوك المسلمين في الأرض، وطلبت كاترينا الثانية في معاهدة «كوجك قينارجة»، التي عقدت بين تركيا وروسيا أن يكون لدولة القياصرة الحق في حماية الروم الأرثوذكس في بلاد العثمانيين ، فاقترح سفراء العثمانيين أن يذكر في شروط الصلح أن للخليفة العثماني الحق في حماية التتر المسلمين. قال: وقد كثر بعد ذلك التلقب بالخلافة، والظاهر أن عبد الحميد الثاني أرسل دعاة إلى العالم الإسلامي يوطدون له الدعوة إلى الخلافة.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٦٩