تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

52

من أعظم حوادث التاريخ في العالم، وأثر في حالة أوروبا السياسية، وبه كتب التفوق للأتراك في الشرق قرونا، وكان منه على اليونان مصيبة كبيرة دامت تأثيراتها إلى عهد الثورة التي قاموا بها في النصف الأول من القرن الماضي، وأوشك هذا الحدث العظيم أن يبدل مجرى التاريخ، واصطلح العلماء على أن جعلوا من أيام شهري نيسان وأيار (أبريل ومايو 1453) تاريخا عظيما ختمت به القرون الوسطى وبدأت العصور الحديثة.

وتوسع الفاتح في فتوحه على البحر الأسود، ففتح مملكة طربزون الرومية في سنة 1461، واحتل عدة جزر من جزائر البحر المتوسط، وكان يرمي إلى فتح جميع شبه جزيرة البلقان، وخلفه ابنه بايزيد الثاني فما حاد عن خطة التوسع فاستولى على ألبانيا وغيرها، وخرج عليه أخوه «جم» والتجأ إلى قايتباي ملك مصر والشام، فاستاء بايزيد مما عومل به أخوه في بلاد العرب، واتخذ من إيواء مصر أخاه حجة على قتال المماليك في أرجاء أذنة وشمالي الشام، كانت الغلبة في عدة وقائع للمماليك، فاستخلصوا من الترك عدة حصون، وأسروا جماعة من كبار قوادهم، وسبب هزيمة الترك أن الدولة العثمانية كانت منذ عهد محمد الأول إلى أيام بايزيد الثاني تصرف قوتها في قتال أوروبا.

ثم قام تاسع سلاطينهم سليم الأول واستجاش على الشاه الصفوي صاحب العجم، فتغلب عليه في وقعة جالديران، وفتح تبريز وهمدان وأذريبجان والقوقاز، وانقلب فجأة نحو بلاد العرب ففتح في طريقه ديار بكر وما إليها، وقضى على مملكة ذي القدرية في أنحاء مرعش والبستان، وتقدم إلى الشام فالتقى بالغوري ملك مصر في مرج دابق من عمل حلب، والتحم بينهما القتال فكانت الغلبة للسلطان العثماني، وقتل الغوري في المعركة واختفى أثره، ودخل سليم الشهباء فلقبه الخطيب في خطبة الجمعة مالك الحرمين الشريفين، فقام السلطان من محله ، وتقدم إلى الخطيب بقوله: أنا أقل من أن أملك الحرمين الشريفين، ومفخرتي أن أكون لهما خادما.

وبهذه الوقعة الفاصلة فتحت الشام، ومنها سار الفاتح إلى مصر برا فاستولى عليها، وأمن ملكها طومان باي آخر ملوك المماليك ثم قتله، وأرسل إليه شريف مكة يبذل له الطاعة، فدخلت الحجاز أيضا في ملكه، وأضحت مملكته بهذه الأقطار التي افتتحت توازي بمساحتها ضعفي المملكة التي فتحها أجداده الثمانية. وفي عهد ابنه سليمان القانوني عاشر ملوكهم فتحت اليمن والحبشة والعراق وطرابلس وبرقة وتونس والجزائر والصحراء الكبرى والسودان، وبفتح العراق أصبح السلطان العثماني بحق «سلطان البرين والبحرين»، وحاول سليمان

53

الاستيلاء على الغرب الأقصى وأرسل إلى سلطانها اثني عشر فاتكا من فتاكه سنة 964 فاغتالوه، إلا أن سلطان الأتراك لم ينبسط على تلك البلاد، وغاية ما في الباب أن شريف مراكش اعترف بسلطان العثمانيين

54 (1580م)، وعلى هذا ضمت البلاد العربية في آسيا وإفريقية إلى السلطنة العثمانية كما كان دخل فيها بلاد الروم والأفلاق والبغدان والبلغار والبجناكية والمجر والصرب والأرناؤد والقفجاق والقرم واللاز والكرد، فتم دور الفتوح.

أعان العثمانيين على فتوحهم البحرية بعض من تطوعوا في خدمتهم من قرصان البحر،

55

وما كتب قط للدولة تفوق عظيم بأساطيلها، وسارت البحرية

56

العثمانية بشجاعة ربابينها أكثر من سيرها بعددها ونظامها، على أن السلطان سليما بذل جهودا كثيرة لترقيتها، وجرى ابنه سليمان على خطته، فارتقت ارتقاء عظيما على عهد سليمان بكثرة مراكبها ومدفعيتها وعدد بحارتها، ولكن الإخفاق كان حليفها أكثر من النجاح، بخلاف الجيش فإن نجاحه كان باهرا، والتوفيق حليفه في معظم ما خاض غماره من حروب، وفي موقعة لبانتو (إينه بختي)، وفيها حاربت الدولة أساطيل إسبانيا والبندقية وجنوة بإيعاز البابا (1571م)، وفي الحروب البحرية في البحر الأسود مع روسيا، برهان على هذا الضعف البحري، ولولا أن الدولة تقدمت وفتحت قطعة صالحة من مملكة بيزنطية من غربي الآستانة وفتحت مملكة طربزون على البحر الأسود، لصعب عليها استبقاء هذه العاصمة، وأوروبا لم تفتأ تتابع إرسال أساطيلها عليها لإنقاذ بيزنطية، بل لإنقاذ النصرانية من غارات العثمانيين؛ ولذلك كانت الدولة أبدا ترعى جمهورية البندقية اتقاء أسطولها، وأصبحت في آخر أيام سليمان الأول بين جارتين عظيمتين يخشى بأسهما، مملكة النمسا في أوروبا، والدولة الصفوية في آسيا، ولكن الدولة العثمانية أصبحت مؤلفة من ثلاثين مملكة تمتد من جون البنادقة إلى خليج فارس، ومن جبال الكاربات إلى النيل.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٦٨