تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

48

صلات كانت تزيد على الأيام استحكاما، بدأت منذ استولى آل عثمان على بروسا، ولما ضموا إلى إمارتهم إمارة «قرة سي» على عهد أورخان، أنشأوا بحرية تفوق أساطيل الإمارات الأناضولية الأخرى، كما كان لهم جيش بدئ بتنظيمه على عهد أورخان أيضا.

كان على العثمانيين أن يستولوا على عشر إمارات تركية صغيرة، قامت في آسيا الصغرى في جوارهم، ولكنهم وجهوا إلى غاية أخرى، وجهوها إلى أرض أوروبا، وبعد الاستيلاء على مفاتح الدردنيل بفتح كليبولي وما إليها فتح ثالث ملوكهم فيلبه وأدرنة ونقل إلى هذه عاصمته، يريد بانتقاله من بروسا أن يؤسس دولة شرقية في أرض الغرب. وساعد السلطان مراد الأول على انتصاره في قارة أوروبا ما كان من التنافس المتبادل

49

بين دول البلقان؛ أي بيزنطية ومملكتي البلغار والصرب، وما كان من التطاحن بين حكومتي البندقية وجنوة على التفوق في الشرق، وما كان من غيرة الباباوات لإرجاع الكنيسة اليونانية إلى حجر كنيسة رومية، فكان للعثمانيين أنصار في معسكرات النصارى نفسها. ولما

50

رأت دول أوروبا توسع مراد الأول (791ه) في فتوحه عقدت بينها تحالفا على العثمانيين، ودخل في هذا الحلف ملوك الصرب والبجناكية (البشناق) والبلغار والأفلاق والبغدان والمجر والبولونيين والتشكيين، وهاجموا العثمانيين في مائتي ألف جندي في صحراء قوصوة،

51

فارتدوا خاسرين، وقتل ملك الصرب وغيره من أمرائهم في المعركة، وصفت تلك البلاد لبني عثمان، واتفق بعد قليل من الزمن أن قام تيمورلنك حليف صاحب القسطنطينية، وكانت حكومات النصرانية تحاول منذ قام العثمانيون بفتوحهم الأوربية أن يكون لهن حلفاء من ملوك آسيا؛ لصد غارات بني عثمان، فداهم تيمورلنك بلاد آسيا الصغرى، وقاتل بيلديرم بايزيد رابع ملوكهم، وأسره فمات في أسره بعد أشهر قليلة، وتمزقت مملكة العثمانيين، وكان يخشى أن تدرج مع الدول البائدة لولا قيام محمد الأول لضم شتاتها، فعد بعمله العظيم المؤسس الثاني للدولة العثمانية، وما كان بايزيد أسير تيمورلنك بالملك الذي يستهان بقوة شكيمته، لقب بالصاعقة (بيلديرم)؛ لمبادرته إلى الزحف وتسرعه في أعماله، فقد فتح بلاد اليونان وحاصر القسطنطينية عشر سنين، وضرب الجزية على إمبراطورها، مشترطا عليه أن يخص المسلمين بحي من أحياء القسطنطينية، ويسهل لهم السبل لإنشاء جامع وإقامة قاض يحكم بينهم، فلما زحف تيمور على بلاده أبطل صاحب الروم ما كان تعهد به لبايزيد، وكان خف سجسموند ملك المجر في جيش من المجريين والألمانيين والفرنسيين لرفع الحصار عن القسطنطينية، فانقض عليهم بايزيد انقضاض الصاعقة وهزمهم شر هزيمة في نيكبولي على نهر الطونة (الدانوب).

وسار مراد الثاني على قدم أجداده فتوسعت فتوحه في آسيا الصغرى، وأسر في أولوباد إمبراطور الروم وحمله إلى أدرنة فصلبه فيها، ولم يبرح يغادي القسطنطينية القتال ويراوحها، ويحاصرها فيضيق حصارها، ثم اعتزل الملك وبويع لابنه محمد بالسلطنة، وكانت الدولة أمام مشاكل خطيرة فخاف رجالها أن يضعف السلطان الفتى عن صد هجمات الأعداء؛ لصغر سنه وقلة تجاربه، فاتفقوا معه على أن يرجع والده إلى السلطنة فعاد من عزلته بعد الإلحاح، وقاتل جيوش التحالف المجري الألماني البجناكي الأفلاقي البغداني فشتت شمله في صحراء قوصوة، ثم عادت جيوش النصرانية فجيشت على العثمانيين جيشا مؤلفا من المجريين والبولونيين والتشكيين وغيرهم، قدر بمائة وخمسين ألف جندي، فهزمهم شر هزيمة وقتل كثيرا من ملوكهم وحكامهم.

ولما جاء سابع ملوكهم محمد الثاني يتولى زمام السلطنة كان أجداده قد فتحوا أمامه السبل للاستيلاء على القسطنطينية بما فتحوه في أطرافها من البلاد، فحاصرها برا وبحرا، وساعدته المدافع التي كان جيشه مجهزا بها، وكان اختراعها حديث العهد، وبعد معارك دامية قتل فيها قسطنطين دراكا كيس آخر إمبراطرتها، فتح الترك القسطنطينية (857-1453م)، ولقب محمد الثاني بالفاتح، وغدت هذه العاصمة الجميلة عاصمة العثمانيين إلى آخر أيامهم، بعد أن كانت عاصمة الروم نحو ألف سنة، وعد فتحها مبدأ عهد سياسي جديد أرخ به المؤرخون؛ ذلك لأنه قضى على المملكة البيزنطية الشرقية التي طالما صاولت المسلمين منذ عهد الراشدين والأمويين والعباسيين. وبفتح القسطنطينية أصبحت الدولة مرهوبة الجانب موقرة السلطان، وتوقع الغرب منها أحداثا جديدة تنبعث من الشرق الجنوبي في أوروبا، على نحو ما كان من دولة العرب الأندلسية في الجنوب الغربي من تلك القارة، وحسب فتح القسطنطينية

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٦٧