تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

45

للاستقلال بأمور المملكة، فقال الملك العادل: إنه قبيح بي أن أكون «أتابك» صبي مع الشيخوخة والتقدم، والملك ليس هو بالإرث وإنما هو لمن غلب، وإنه كان يجب أن أكون بعد أخي الملك الناصر صلاح الدين، غير أني تركت ذلك إكراما لأخي، ورعاية لحقه. قال: فلما كان من الاختلاف ما قد علمتم خفت أن يخرج الملك عن يدي ويد أولاد أخي فسست الأمر إلى آخره، فما رأيت الحال ينصلح إلا بقيامي فيه، ونهوضي بأعبائه، فلما ملكت هذه البلاد، وطنت نفسي على أتابكية هذا الصبي حتى يبلغ أشده، فرأيت العصبيات باقية، والفتن غير زائلة، فلم آمن أن يطرأ على ما طرأ على الملك الأفضل، ولا آمن أن يجتمع جماعة ويطلبوا إقامة إنسان آخر، وما يعلم ما يكون عاقبة ذلك، والرأي أن يمضي هذا الصبي إلى الكتاب، وأقيم له من يؤدبه ويعلمه، فإذا تأهل وبلغ أشده، نظرت في أمره وقمت بمصالحه، فوافقوه على رأيه وحلفوا له، وخلعوا المنصور الطفل وخطبوا للعادل.

كان المعقول ما تم من بيعة العادل، مستشار أخيه صلاح الدين ومؤتمنه، لبعد غوره في سياسة الدولة، أما هو فقد قسم مملكته في أربعة من أولاده، ووقعت مصر للكامل فتولاها نائبا وملكا أربعين سنة، وجرى على سنة أبيه وعمه في جهاد الأعداء وأبان عن كفاءة ظاهرة، وكان يخطب له بمكة (مالك مكة وعبيدها، واليمن وزبيدها، ومصر وصعيدها، والشام وصناديدها، والجزيرة ووليدها، سلطان القبلتين، ورب العلامتين، خادم الحرمين الشريفين، الملك الكامل أبو المعالي ناصر الدين محمد خليل أمير المؤمنين)، وكان أولاد

46

العادل كالنفس الواحدة باتفاقهم. قال ابن الأثير فيهم «فلا جرم زاد ملكهم، ورأوا من نفاذ الأمر والحكم ما لم يره أبوهم، ولعمري إنهم نعم الملوك ، فيهم الحلم والجهاد والذب عن الإسلام.»

وكان ملوك دولتي المماليك أشبه برؤساء عصابات متغلبة، وقد جاء منهم من كانوا يحسنون السياسة، ومنهم من حملوا على رقاب الناس الخصيان والنسوان والصبيان، «ولم

47

يكن نظام الوراثة مألوفا عند المماليك؛ فقد كانوا يعتقدون أنه لا فضل لأحد على الآخر إلا بالمهارة الحربية؛ وكثرة الأتباع والحذق في تدبير المؤامرات.» وما كانت مع هذا دولة المماليك أقل غناء من كثير من دول الأحرار وأدعياء الشرف.

ولم يسمع بعد عصر المماليك بظهور قائم من العرب، حتى قام فخر الدين المعني الثاني في القرن الحادي عشر، فاستولى على لبنان وأكثر الساحل الشامي، يرضي العثمانيين بما أمكن من إتاوة، ويعطي السلطان طاعته، فقتلته الدولة، وقام في القرن التالي في جزيرة العرب عبد الله بن سعود، فاستولى على نجد والحرمين، ثم أخذه العثمانيون أيضا وقتلوه (1233-1818م) ومزقوا ملكه، وما سمع بعد ذلك صوت لعربي تحدثه نفسه بالحكم في العراق والشام والجزيرة ومصر وغيرها، وصفت كلها للترك العثمانيين بدون منازع.

سياسة الترك العثمانيين

عشيرة من عشائر الترك جلت من تركستان على عهد جنكيزخان، وضربت في الأرض معرجة على بلاد فارس، آخذة إلى سمت الغرب، تنتقل من إقليم إلى إقليم، حتى ألقت رحالها في صميم آسيا الصغرى، وأنشأ رئيسها عثمان بن أرطغول سنة 699ه، إمارة صغيرة في أرض الدولة السلجوقية، وكان أنشئ على أنقاضها في الأناضول ثلاث عشرة دولة كانت إمارته إحداها، كبرت مع الأيام حتى غدت سلطنة عظيمة، تملك أجمل الأقطار في آسيا وأوروبا وإفريقية، هذا تعريف الدولة العثمانية التي كان رأس مالها يوم نشأتها شجاعة رئيسها وآله، وطاعة مرءوسيها ونجدتهم. وضع العثمانيون - أي المنسوبون لعثمان - أساس مملكتهم في جوار «سكود» و«ابنه كول» أولا، ثم استولوا على «فبورسا»، واتخذوا هذه قاعدة بلادهم، ولما رأى إمبراطور القسطنطينية «يان كنتاكوزن» قوة هذه الإمارة الإسلامية في جواره، وأن أورخان ثاني ملوكهم فتح «بولاير» و«كليبولي» و«تكفور طاغي» من غرب بلاده، عقد معه صلحا وزوجه من ابنته تيودورا، وجاء السلطان العثماني إلى «اسكدار» على الشاطئ الآسياوي من فروق، وهناك زفت إليه، فكان أول ملك عثماني تزوج من غريبة عن دمه، مخالفة له في عادها ودينها. وظهر من مجرى الحوادث أن العثمانيين كانوا على اتصال وثيق بالروم، ولهم مع زعمائهم وقوادهم

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٦٦